بقال الحي والانتخابات الأمريكية

"من سيكون ساكن البيت الأبيض في انتخابات الثالث من نونبر القادم، الجمهوري دونالد ترامب أم الديموقراطي جون بايدن؟"، سؤال وجهه لي صاحب البقالة في حيينا، حينما كان يتابع نشرة الأخبار وفيها يظهر ترامب مرفوع الهامة واثق الخطوة، في كل حركة من حركاته يبعث رسائل التحدي.. كان الرجل مزهوا بنصر لم يُحقق بعد.

أبعدت نظري عن الشاشة وبادرت جاري "لم أنت مهتم بالشأن الأمريكي، إنها بلاد تفصلنا عنها بحار وساعات طيران"، فجاءني جوابه سريعا "إنهم مركز العالم وصانعو سياساته"، وعلى قدر ما كان الجواب سريعا على قدر ما كان عاكسا لحقيقة أن العالم قرية صغيرة أصبح فيها المواطن العادي في أقصى نقطة في الغرب الإفريقي متابعا لسباقات الانتخابات الأمريكية، بل ويهمه أن يعرف طبيعة ساكن البيت البيضاوي.

لم أعهد جاري البقال كثير النقاش في مواضيع السياسة، لكنني وجدته مهتما بمعرفة مصير ترامب المثير للجدل، فهو بالنسبة إليه رئيس خارج السيطرة، ولأنني لا أملك جوابا لسؤاله فضلت أن أحدثه عن احتمالات الربح والخسارة للغريمين، فكثير من التحاليل واستطلاعات الرأي وإلى حد كتابة هذه الأسطر لا زالت ترجح كفة بايدن.

ولكن استطلاعات الرأي ليست دائما مؤشرا دقيقا وقاطعا في معرفة الفائز في الانتخابات، ولا أدل على ذلك من ما حدث في انتخابات 2016 عندما كانت المرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون تتقدم السباق بأكثر من ثلاثة ملايين صوت في استطلاعات الرأي على منافسها ترامب، ورغم ذلك لم تفز في الانتخابات.

ولكن الحقيقة الثابتة اليوم أن هذه الانتخابات هي الأكثر صعوبة سواء على من يخوضون غمارها أو من يتابعون أطوارها، ومكمن الصعوبة هو أن الأمريكيين اليوم باتوا منقسمين أكثر من أي وقت آخر و يزيد من حدة هذا الانقسام الجائحة الصحية التي أوقفت العجلة الاقتصادية العالمية وضربت ترامب في مقتل، فالاقتصاد وهو أحد نقاط قوة الرجل التي يرتكز عليها خلال حملته الانتخابية، فهو يتفاخر بتحقيق انتعاش لم يقم به قبله أحد، بينما محللون اقتصاديون في صحيفة "واشنطن بوست" الشديدة العداء لترامب يرون أن كل ما أنجزه هذا الأخير خلال سنوات رئاسته، ما هو إلا حصاد ثمان سنوات للرئيس السابق باراك أوباما، وإمعانا في الدقة وحسب على ما صرحت به الجهات والوزارات المعنية فإن النمو الاقتصادي في عهده بلغ 2,3 في المائة، يوازيه انخفاض في نسبة البطالة بلغ هو الآخر 3,5 في المائة، ما مكن آلاف الأمريكيين من ولوج سوق العمل.

ترامب المثير للجدل بخرجاته وقراراته ركز جل اهتمامه للداخل الأمريكي ورفع شعار "أمريكا أولا" ترجمه برفع الأجور وخفض الضرائب، لكنه وسع هوة الانقسامات والاختلافات في ما يتعلق بملف العنف والعنصرية داخل المجتمع الأمريكي، بالإضافة إلى تراكم أخطاء إدارته في تدبير الملف "الكوروني"، وهي نقاط ضعف ستكون منطلق هجوم خصمه في السباق الانتخابي جون بايدن "أسد التاريخ الأمريكي"، كما يحب أن ينعته الرئيس السابق بارك أوباما.

وإذا ما فاز بايدن في استحقاق نونبر سيكون أكبر الرؤساء سنا، لكن سنواته السبع والسبعين لن تكون حائلا أمامه لشحذ كل الجهود للتفوق على غريمه الجمهوري، فبايدن دخل أتون السياسة وخبر دهاليزها منذ أكثر من نصف قرن كما خاض تجارب السباق الانتخابي مرتين عام 1988 و2008 ولم ينجح في أي منها.

ومن الأمور الداعمة لحظوظ بايدن أيضا، عمله لثمان سنوات نائبا للرئيس أوباما، خبر خلالها القيادة وضوابطها، فأمكنته من توحيد الديمقراطيين بكل أطيافهم واختلافاتهم في جبهة واحدة ضد ترامب، واستطاع اختراق فئات كانت سببا في صعود نجم هذا الأخير، بمن فيهم ذوو البشرة السمراء والنساء.

حياة بايدن لم تكن كلها سياسة، لكنها مزيج من الهزائم والانتصارات وحتى الآلام، إذ بمجرد أن وضع قدميه في مربع السياسة فجع بفقدان زوجته وابنته في حادثة سير، وفي السنوات الأخيرة رحل ابنه الأكبر بسرطان الدماغ، مآسٍ رأى فيها مراقبون دافعا لمزيد من التعاطف معه، لكن أكثر ما يخشاه هؤلاء على بايدن هو ما يعود إلى طبيعة شخصيته، فالرجل يرتكب أخطاء متوالية ولا يركز أثناء الحديث وخطابه يفتقد إلى عملية بناء محددة وواضحة المعالم سيما أن غريمه رجل استعراض بامتياز.

أنهيت حديثي مع صاحب البقالة على أمل أن الصورة أصبحت أوضح لديه فما كان منه إلا أن طرح سؤالا أعقد من الأول: "ومن سيكون الأصلح لنا بنظرك؟ ترامب أدت سياسته في العالم العربي خلال الأربع سنوات الماضية إلى إشعال العديد من الدول وإلى فتح جبهات على أكثر من واجهة، وبايدن هو استمرار لسياسة رئيسه السابق باراك أوباما"، بقي للحظات يتمعن في الخيارين، وأدرك أنني بدوري في انتظار إجابته، فابتسم لي قائلا: "اللهم اكتب لنا خيرا، أنا فقط أريد أن أفهم ما يجري من حولي، وأرفض أن أبقى على الهامش".

خرجت من عنده وكلي عزم على متابعة سباق الانتخابات الأمريكية، رغم إصابتي بتخمة إخبارية من كثرة المشاهدة، فالأمر لم يعد مقتصرا على ممارسي السياسة أو متابعيها من عشيرة الصحفيين كما كنت أظن، لكن المواطن العادي بات يعلم أن كل الأمور تعنيه سياسةً كانت أو غير سياسية، في أمريكا أو في غيرها، فله الحق دائما في المعرفة. 

الأثنين 21:00
غيوم متناثرة
C
°
16.48
الثلاثاء
19.9
mostlycloudy
الأربعاء
17.23
mostlycloudy
الخميس
16.73
mostlycloudy
الجمعة
16.04
mostlycloudy
السبت
13.7
mostlycloudy