بما يشمل المغرب.. مشروع الميزانية الأمريكي لسنة 2027 يقلب معادلة الدعم العسكري من المنح إلى القروض والحسم بين أيدي الكونغرس
يتجه التعاون العسكري بين الرباط وواشنطن نحو منعطف جديد قد يعيد صياغة قواعده المالية والاستراتيجية، بعدما كشفت وثائق رسمية لمشروع ميزانية الولايات المتحدة لسنة 2027 عن توجه واضح نحو تقليص نظام المنح العسكرية الخارجية وتعويضه بمنطق قائم على القروض والتمويل المشروط، في تحول يعكس إعادة هندسة شاملة للسياسة الدفاعية الأمريكية تجاه شركائها ومن ضمنهم المغرب.
ويفتح مشروع ميزانية الولايات المتحدة لسنة 2027، كما صاغته الإدارة الأمريكية وقدمته إلى الكونغرس، نقاشا عميقا يصل إلى جوهر التحول في طبيعة العلاقات العسكرية بين واشنطن وشركائها ومن ضمنهم المغرب، بعد أن كشفت الوثائق الرسمية عن توجه واضح لإعادة هندسة برنامج التمويل العسكري الخارجي (FMF) على أسس جديدة تقوم على تقليص المنح المباشرة وتعويضها تدريجيا بآليات تمويل قائمة على القروض وضماناتها في تحول يعكس مراجعة استراتيجية لدور الدعم العسكري الأمريكي في عالم يشهد إعادة ترتيب موازين القوة.
المعطيات الواردة في وثيقة الميزانية الصادرة عن البيت الأبيض والتي اطلعت عليها "الصحيفة" تؤكد هذا المنحى بشكل صريح، حيث تقترح الإدارة تخصيص نحو 5.3 مليارات دولار فقط في شكل منح أو دعم مرتبط بآليات تمويل مقابل فتح سقف القروض العسكرية إلى حدود 18 مليار دولار وهو رقم يكشف بوضوح أن واشنطن لم تعد تكتفي بمنح الموارد، بل تسعى إلى تحويل الطلب العالمي على السلاح الأمريكي إلى سوق ممول عبر أدوات مالية تضمن استمرار تدفق الصفقات الدفاعية وتعزيز موقع الصناعات العسكرية الأمريكية في المنافسة الدولية.
وهذا التحول لا يمكن فصله عن السياق الدولي الضاغط، حيث تتقاطع عدة عوامل تدفع واشنطن إلى إعادة صياغة سياستها التمويلية من بينها تصاعد التنافس الاستراتيجي مع الصين واستمرار بؤر التوتر في الشرق الأوسط والضغوط الداخلية المرتبطة بعجز الميزانية وارتفاع كلفة الالتزامات الخارجية، وهو ما جعل صناع القرار الأمريكيين يميلون إلى نموذج يعتبر أن الحفاظ على النفوذ لا يجب أن يكون مكلفا ماليا، بل يجب أن يحقق عائدا اقتصاديا واستراتيجيا في آن واحد.
في هذا الإطار، يبرز المغرب كجزء من هذه المعادلة الجديدة وإن لم يكن في صلبها إذ لا تشير الوثائق الأمريكية المتاحة بشكل صريح إلى حذف الرباط من برنامج التمويل العسكري الخارجي لكن إعادة هيكلة البرنامج بالكامل تعني عمليا أن الدول التي كانت تستفيد من منح محدودة ومنها المملكة ستجد نفسها أمام نمط جديد من التعاون يقوم على التمويل بدل الدعم وعلى الاقتراض بدل الاستفادة المباشرة من الموارد الأمريكية.
وكان المغرب قد حصل في السنوات الأخيرة على دعم سنوي في حدود 20 مليون دولار في إطار FMF، وهو مبلغ يظل محدودا مقارنة بالدول التي تحظى بأولوية في السياسة الأمريكية مثل إسرائيل ومصر والأردن التي تستحوذ على الجزء الأكبر من المساعدات العسكرية غير أن أهمية هذا الدعم لم تكن في حجمه المالي بقدر ما كانت في دلالته السياسية باعتباره يعكس موقع المغرب ضمن شبكة الحلفاء الذين يحظون بدعم مباشر من واشنطن.
اليوم ومع هذا التحول، تصبح هذه الدلالة محل إعادة تعريف إذ أن الانتقال إلى منطق القروض يعني أن العلاقة لم تعد قائمة على "الدعم الاستراتيجي المجاني" بل على شراكة تمويلية تجعل من الدول الحليفة فاعلا ماليا في صفقات التسلح وهو ما يطرح تساؤلات حول كيفية تكيّف هذه الدول مع هذا النموذج خاصة في ظل الضغوط الاقتصادية التي تواجهها العديد من الاقتصادات الناشئة.
ومع ذلك، فإن هذا التحول لا يمكن قراءته باعتباره تراجعا في مستوى العلاقات العسكرية بين المغرب والولايات المتحدة بل هو بالأحرى إعادة تشكيل لأدوات هذه العلاقة إذ تشير كل المعطيات إلى أن التعاون العسكري سيظل قائما من خلال المناورات المشتركة وعلى رأسها "الأسد الإفريقي" وبرامج التدريب والتنسيق الأمني إلى جانب صفقات التسلح التي تربط بين البلدين منذ سنوات لكن ضمن إطار تمويلي مختلف.
كما أن هذا التوجه قد يفتح في المقابل، آفاقا جديدة أمام المغرب سواء من خلال تعزيز قدراته على التفاوض بشأن شروط التمويل أو عبر تطوير شراكات صناعية دفاعية أو حتى تنويع مصادر التسلح في سياق دولي يتسم بتعدد الخيارات وتزايد المنافسة بين القوى الكبرى على أسواق السلاح.
من جهة ثانية، فإن كل هذه السيناريوهات تظل رهينة بمآل النقاش داخل الكونغرس الأمريكي الذي يملك الكلمة الفصل في اعتماد الميزانية أو تعديلها وهو ما يجعل من المبكر الحديث عن قرار نهائي خاصة وأن الكونغرس سبق أن أعاد إدراج مساعدات أو عدّل مقترحات الإدارة في مناسبات سابقة ما يعني أن هذا التحول رغم وضوح ملامحه لا يزال في طور التشكل.
ويعكس هذا المسار تحولا أعمق في العقيدة الأمريكية تجاه الحلفاء، حيث لم تعد واشنطن ترى نفسها ملزمة بتمويل أمن شركائها بشكل مباشر بل تسعى إلى نموذج أكثر براغماتية يقوم على تقاسم الأعباء وربط الدعم بالعائد الاقتصادي وتحويل النفوذ العسكري إلى أداة استثمارية بقدر ما هو أداة سياسية.




