بين وداع المغرب واستحقاق "الإليزي" الجديد.. هل تنجح باريس في إيجاد خَلَفٍ لكريستوف لوكورتيي قادرٍ على صيانة "توازن المصالح" والحفاظ على زخم العلاقات في ذروة التقارب مع الرباط؟
يتجدد النقاش داخل الأوساط السياسية والإعلامية في باريس حول مستقبل السفير الفرنسي بالرباط، كريستوف لوكورتيي، بعد ترشيحه لتولي منصب المدير العام للوكالة الفرنسية للتنمية، خلفا لريمي ريو الذي شغل هذا المنصب منذ سنة 2016، وهو ترشيح يعكس من جهة تقدير المؤسسة التنفيذية الفرنسية لمساره المهني، ومن جهة أخرى يفتح باب التساؤلات حول مآلات مرحلة دبلوماسية وُصفت بأنها من أكثر الفترات تحولا في تاريخ العلاقات بين الرباط وباريس، لاسيما وأن اسم لوكورتيي ارتبط بإعادة الدفء إلى هذه العلاقات بعد سنوات من الفتور غير المعلن.
ويأتي هذا التحول المرتقب في المسار المهني للسفير لوكورتيي في سياق مؤسساتي فرنسي، إذ يتطلب تعيينه على رأس الوكالة الفرنسية للتنمية المرور عبر مسطرة قانونية تشمل مصادقة البرلمان الفرنسي وإبداء رأي الهيئة العليا للشفافية في الحياة العامة، ما يجعل موعد الثالث من ماي المقبل، الذي يُتداول كمحطة لمغادرته الرباط، رهينا باستكمال هذه الإجراءات، غير أن مجرد طرح اسمه لهذا المنصب يعكس مكانته داخل دوائر القرار بباريس، خاصة بالنظر إلى الطابع الاستراتيجي للوكالة الفرنسية للتنمية باعتبارها إحدى أبرز أدوات السياسة الخارجية الفرنسية في مجالات التنمية والتأثير الدولي.
لقد جاء كريستوف لوكورتيي إلى المغرب في نهاية سنة 2022، في ظرف اتسم بتعقيد بالغ في العلاقات الثنائية، حيث كانت الرباط وباريس تمران بمرحلة وصفت حينها بـ"الباردة"، نتيجة تراكمات سياسية ودبلوماسية متعددة، من بينها أزمة التأشيرات وتباين المواقف بشأن عدد من القضايا الإقليمية، وعلى رأسها ملف الصحراء، وهو السياق الذي جعل من تعيينه أكثر من مجرد إجراء دبلوماسي روتيني، بل رهانا سياسيا لإعادة ضبط البوصلة بين بلدين تجمعهما علاقات تاريخية ومصالح استراتيجية متشابكة.
واختيار لوكورتيي لم يكن اعتباطيا، بل استند إلى مسار مهني طويل يجمع بين الخبرة الاقتصادية والدبلوماسية، حيث راكم تجربة تمتد لأكثر من ثلاثة عقود داخل مؤسسات الدولة الفرنسية، متنقلا بين مناصب حساسة في وزارة المالية ودواليب القرار الاقتصادي، قبل أن يتولى مهام دبلوماسية في عدد من العواصم، من بينها كانبيرا وبلغراد، إلى جانب إدارته لوكالة "بيزنس فرانس"، وهو ما منحه فهما عميقا لتعقيدات العلاقات الدولية، ليس فقط من منظور سياسي، بل أيضا من زاوية المصالح الاقتصادية والاستثمارية.
هذا الرصيد المتنوع مكن لوكورتيي من التعامل مع الملف المغربي بمرونة وحذر، حيث اختار منذ وصوله إلى الرباط نهجا قائما على ما يمكن وصفه ب"الدبلوماسية الهادئة"، في وقت كانت فيه المؤشرات الأولية توحي بوجود قطيعة غير معلنة، تجلت في غياب استقبال ملكي فوري له، وفي استمرار شغور منصب السفير المغربي في باريس آنذاك، وهو ما فُسر في حينه كرسالة سياسية تعكس مستوى التوتر القائم، غير أن السفير الفرنسي آثر عدم الانجرار إلى منطق التصعيد، مفضلا الاستثمار في الزمن الدبلوماسي وإعادة بناء قنوات التواصل تدريجيا.
ومن أبرز التحديات التي واجهها لوكورتيي في بداية مهمته أزمة التأشيرات، التي أثارت استياء واسعا في المغرب بعد قرار باريس تقليص عددها بشكل كبير، وهي الأزمة التي لم يكن هو صانعها، لكنه وجد نفسه في واجهة تداعياتها، حيث تبنى خطابا تواصليا اتسم بالهدوء والاعتراف الضمني بوجود خلل، مؤكدا في أكثر من مناسبة أن فرنسا "تستمع وتفهم" انشغالات المغاربة، وهو ما ساهم في تخفيف حدة التوتر وإعادة إطلاق الدينامية القنصلية بشكل تدريجي، في خطوة اعتبرها متابعون بداية مسار إعادة الثقة بين البلدين.
غير أن التحول الأبرز في مسار العلاقات المغربية-الفرنسية خلال فترة تولي لوكورتيي مهامه، تجسد في تطور الموقف الفرنسي من قضية الصحراء، التي ظلت لسنوات طويلة محاطة بنوع من الغموض الدبلوماسي، قبل أن تعرف تحولا نوعيا تُوج باعتراف صريح من باريس بمغربية الصحراء، وهو الموقف الذي أعلن عنه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال زيارته الرسمية إلى المغرب في أكتوبر 2024، في محطة اعتُبرت مفصلية في تاريخ العلاقات الثنائية.
وفي هذا السياق، يُجمع عدد من المراقبين على أن لوكورتيي لعب دورا غير مباشر، ولكن مؤثرا، في تهيئة الأرضية لهذا التحول، من خلال اعتماده مقاربة تدريجية تقوم على تعزيز الثقة وتكثيف قنوات الحوار مع مختلف الفاعلين، سواء على المستوى السياسي أو الاقتصادي، وهو ما انسجم مع قناعته بأن ملفا بحجم الصحراء لا يمكن تدبيره بمنطق التصريحات، بل عبر عمل دبلوماسي هادئ وطويل النفس.
وقد تعزز هذا التوجه من خلال الزيارة التي قام بها السفير الفرنسي إلى الأقاليم الجنوبية للمملكة في نونبر 2024، والتي حملت دلالات سياسية واقتصادية واضحة، خاصة أنها جاءت بعد إعلان الموقف الفرنسي الجديد، حيث قاد وفدا مهما ضم مسؤولين ورجال أعمال، في خطوة عكست رغبة باريس في الانتقال من مستوى التصريحات إلى مستوى الانخراط العملي في دينامية التنمية التي تعرفها هذه الأقاليم، وهو ما اعتبر مؤشرا على بداية مرحلة جديدة في الشراكة بين البلدين.
وعلى المستوى الاقتصادي، عمل لوكورتيي على إعادة تنشيط الحضور الفرنسي في المغرب، في سياق دولي يتسم بتنافس متزايد على الأسواق والاستثمارات، حيث ركز على قطاعات استراتيجية مثل الطاقات المتجددة والتحول الرقمي والبنية التحتية، مع الحرص على تقديم فرنسا كشريك يعتمد منطق "رابح- رابح"، بدل الصورة التقليدية التي كانت تُختزل أحيانا في علاقات غير متكافئة، وهو ما ساهم في إعادة صياغة الخطاب الفرنسي تجاه المغرب بما يتلاءم مع التحولات التي تعرفها المملكة كقوة إقليمية صاعدة.
وفي ظل هذا المسار، يطرح احتمال مغادرة لوكورتيي لمنصبه بالرباط تساؤلات متعددة حول طبيعة المرحلة المقبلة، سواء من حيث استمرارية الدينامية الإيجابية التي تعرفها العلاقات الثنائية، أو من حيث هوية السفير الذي سيخلفه، خاصة وأن هذا المنصب يتطلب، في الظرفية الحالية، شخصية قادرة على استيعاب حساسية الملفات المطروحة، ومواصلة البناء على ما تحقق خلال السنوات الأخيرة.
ذلك أن العلاقات المغربية-الفرنسية لم تعد تدار فقط بمنطق التاريخ المشترك، بل أصبحت محكومة بمعادلات جديدة تقوم على وضوح المواقف وتوازن المصالح، وهو ما يجعل من اختيار السفير المقبل رهانا دبلوماسيا بامتياز بالنسبة لباريس، في سعيها للحفاظ على موقعها كشريك استراتيجي للرباط في منطقة تعرف تحولات متسارعة.
وفي انتظار الحسم الرسمي في تعيين لوكورتيي على رأس الوكالة الفرنسية للتنمية، وما سيترتب عنه من تغييرات على مستوى التمثيلية الدبلوماسية الفرنسية في المغرب، يبقى الثابت أن الرجل بصم على مرحلة مميزة في مسار العلاقات الثنائية، مرحلة انتقلت فيها هذه العلاقات من منطق التوتر الصامت إلى منطق الشراكة المتجددة، في سياق إقليمي ودولي يفرض على البلدين إعادة تعريف أدوارهما وتحالفاتهما بشكل مستمر.




