تصريحات السفير الفرنسي بشأن منح ربع مليون تأشيرة سنويا للجزائريين تفجر عاصفة سياسية.. روتايو يتهم ماكرون بـ"الانحناء" للمُرادية وبارديلا يصف القرار بـ"الاستسلام"

 تصريحات السفير الفرنسي بشأن منح ربع مليون تأشيرة سنويا للجزائريين تفجر عاصفة سياسية.. روتايو يتهم ماكرون بـ"الانحناء" للمُرادية وبارديلا يصف القرار بـ"الاستسلام"
الصحيفة - إسماعيل بويعقوبي
السبت 18 يوليوز 2026 - 17:00

أثارت التصريحات الأخيرة للسفير الفرنسي لدى الجزائر، ستيفان روماتي، بشأن توجه باريس لإعادة العلاقات الثنائية إلى مسارها الطبيعي، ورفع عدد التأشيرات الممنوحة للجزائريين إلى مستويات ما قبل الأزمة، موجة واسعة من الانتقادات داخل الساحة السياسية الفرنسية، خصوصا من جانب شخصيات بارزة في اليمين.

واعتبر سياسيون يمينيون أن السياسة التي ينتهجها الرئيس إيمانويل ماكرون هي عبارة عن سلسلة من التنازلات لصالح الجزائر، رغم استمرار ملفات خلافية عالقة، من بينها قضية الصحافي الفرنسي كريستوف غليز، وملف إعادة المهاجرين غير النظاميين، والتوترات التي طبعت العلاقات بين البلدين خلال الأشهر الماضية.

وكان السفير الفرنسي قد أكد، في مقابلة إعلامية، أن عودته إلى الجزائر جاءت بتكليف مباشر من الرئيس إيمانويل ماكرون لإعادة إطلاق العلاقات الثنائية على أسس جديدة قوامها الثقة، مشيرا إلى أن باريس والجزائر اتفقتا على إعادة السفارات والقنصليات إلى كامل طاقتها البشرية.

وأعلن السفير الفرنسي عن إحياء التعاون الثنائي في مجالات الأمن والعدالة والهجرة، إلى جانب العمل على رفع عدد التأشيرات الممنوحة للجزائريين تدريجيا، بهدف العودة إلى معدل يقارب 250 ألف تأشيرة سنويا كما كان عليه الوضع قبل الأزمة.

هذه التصريحات لم تمر دون ردود فعل قوية في فرنسا، حيث هاجم وزير الداخلية الفرنسي السابق برونو روتايو السياسة التي يقودها الرئيس ماكرون تجاه الجزائر، معتبرا أن الدبلوماسية الفرنسية أصبحت مضطرة إلى "خفض رأسها" بسبب ما وصفه بالتراجعات المتتالية أمام النظام الجزائري.

وقال زعيم حزب "الجمهوريين" المتوقع ترشحه لانتخابات 2027 الرئاسية، في تدوينة نشرها عبر حسابه الرسمي على منصة "إكس"، إن "من المؤسف أن نرى دبلوماسيتنا مجبرة على الانحناء بسبب تنازلات رئيس الجمهورية أمام النظام الجزائري".

وأضاف روتايو أن هذه التنازلات تشمل، بحسب تعبيره، "التخلي عن إعادة الجزائريين الجانحين إلى بلدهم، والتراجع عن الحفاظ على توازن العلاقات بين فرنسا والجزائر، فضلا عن الامتناع عن التنديد بالاعتقال التعسفي لمواطننا، الصحافي كريستوف غليز"، حيث ختم منشوره بالتأكيد على أن "صوت فرنسا، عندما يتحدث، يجب أن يكون واضحا وقويا".

ولم يكن روتايو الوحيد الذي انتقد هذا التوجه، إذ انضم إليه رئيس حزب التجمع الوطني اليميني، جوردان بارديلا، الذي اعتبر أن تصريحات السفير الفرنسي تعكس ما وصفه بـ"استسلام الماكرونية" أمام الجزائر. 

وأوضح بارديلا في تدوينة عبر حسابه الرسمي على منصة "إكس"، أن السفير الفرنسي أعلن، خلال مقابلة مع وسيلة إعلام جزائرية، رغبة باريس في منح 250 ألف تأشيرة سنويا للمواطنين الجزائريين، "رغم الاستفزازات واحتجاز صحافي فرنسي"، في إشارة إلى قضية كريستوف غليز.

وأضاف بارديلا أن حزبه "يرفض بشكل قاطع هذا الاستسلام أمام النظام الجزائري"، مؤكدا أنه "إذا منح الفرنسيون الثقة لحزب التجمع الوطني، فإن فرنسا ستفرض احترامها في مواجهة جميع الاستفزازات، وستستعيد أخيرا السيطرة الكاملة على سياستها في مجال الهجرة".

وتعكس هذه المواقف حجم الانقسام المتزايد داخل المشهد السياسي الفرنسي بشأن كيفية إدارة العلاقة مع الجزائر، خاصة بعد قرار "الإليزي" طي صفحة الأزمة الدبلوماسية التي استمرت أشهرا، والانتقال إلى مرحلة جديدة تقوم على استعادة قنوات الحوار والتعاون الأمني والقضائي، وإعادة تنشيط العلاقات القنصلية والاقتصادية.

جدير بالذكر أن العلاقات الجزائرية الفرنسية شهدت خلال العامين الأخيرين سلسلة من الأزمات الدبلوماسية المتلاحقة، جعلتها من أكثر العلاقات تقلبا داخل الفضاء المتوسطي، حيث تداخلت فيها ملفات سياسية وأمنية وقضائية وتاريخية، قبل أن تباشر باريس والجزائر خلال يوليوز الجاري مساعي لإعادة إطلاق الحوار واستعادة قنوات التواصل. 

وكان من أبرز أسباب التوتر قرار فرنسا، في صيف 2024، رسالة ماكرون للملك محمد السادس، التي اعتبر فيها أن "حاضر ومستقبل الصحراء يندرجان ضمن السيادة المغربية"، وهو الموقف الذي قوبل برد فعل غاضب من الجزائر التي استدعت سفيرها لدى باريس، لتدخل العلاقات بين البلدين مرحلة غير مسبوقة من التوتر.

 كما تفاقمت الأزمة بفعل ملفات أخرى، من بينها قضية الكاتب الفرنسي الجزائري بوعلام صنصال، وملف الصحافي الفرنسي كريستوف غليز، وأزمة التأشيرات والهجرة وإعادة المهاجرين غير النظاميين، إلى جانب استدعاء الجزائر للقائم بالأعمال الفرنسي مطلع سنة 2026 احتجاجا على بث قناة "فرانس 2" وثائقيا اعتبرته السلطات الجزائرية مسيئا للدولة ورموزها. 

ورغم شروع البلدين في اتخاذ خطوات لإعادة تطبيع العلاقات، فإن الانتقادات الحادة التي أعقبت تصريحات السفير الفرنسي تؤكد أن هذا التقارب لا يزال يواجه معارضة سياسية داخل فرنسا، خاصة من أوساط اليمين التي تعتبر أن باريس قدمت تنازلات كبيرة للجزائر دون تحقيق تقدم ملموس في الملفات الخلافية.

The comments are closed in this post

إسبانيا التي يبتلعها التطرف

ثمة شيء يتغير بعمق داخل إسبانيا، وليس من الحكمة اختزاله في صعود حزب "فوكس"، ولا في بعض المظاهرات التي يظهر فيها شبان يؤدون التحية الفاشية، ولا حتى في الشتائم التي ...

استطلاع رأي

هل حان الوقت للمغرب لإدراج ملف مدينتي سبتة ومليلية أمام لجنة الـ24 المعنية بتصفية الاستعمار بالأمم المتحدة؟

Loading...