تضاربٌ للمصالح والمواقف وسط توازنات إقليمية هشة.. تعقيدات أزمة مالي تضع المغرب إلى جانب روسيا والجزائر إلى جانب فرنسا
تضع التطورات المتسارعة في مالي خريطة التحالفات الإقليمية والدولية في تقاطعات معقدة، حيث تضع المغرب في موقع تقارب مع روسيا بطريقة غير مباشرة، مقابل تموضع الجزائر أقرب إلى فرنسا بالرغم من توتر العلاقات الثنائية بين الطرفين.
وتشهد مالي حاليا مواجهات متواصلة بين الجيش التابع للحكومة الانتقالية بقيادة عاصيمي غويتا والمدعوم من وحدات روسية، وبين جماعات مسلحة أبرزها جماعة "نصرة الإسلام والمسلمين" المرتبطة بتنظيم القاعدة، إلى جانب فصائل مسلحة تابعة لحركة تحرير أزواد الانفصالية.
ووفق ما أوردته تقارير إعلامية دولية فإن المعطيات الميدانية تشير حتى الآن إلى أن مالي لازالت تواجه واحدة من أكبر الهجمات المنسقة التي تشنها هذه الجماعات، في وقت لا تزال فيه صورة الوضع العسكري غير واضحة، مع استمرار الاشتباكات وتبادل السيطرة على عدد من المناطق.
وحسب المصادر نفسها، فإنه بالرغم شدة المعارك، لا تزال العاصمة باماكو صامدة ولم تسقط في يد الجماعات المسلحة، فيما تشهد مناطق أخرى حالة من الكر والفر بين الجيش والمجموعات المسلحة، وقد أَعلن أمس الاثنين قائد الحكومة الانتقالية عاصيمي غويتا، توليه لمنصب إضافي وهو منصب وزير الدفاع بعد مقتل ساديو كامارا.
وتبدو الأزمة المالية، وفق العديد من التقارير الدولية، جد معقدة، ويتجلى تعقيدها في "تضارب المصالح والمواقف" التي أفرزتها بشأن التوازنات الإقليمية، حيث تبرز انقسامات غير تقليدية بين دول كانت تصنف ضمن نفس "المعسكرات السياسية".
وحسب المصادر نفسها، فإن توتر الأوضاع في مالي فتح من جديد بوادر "تضارب" في المواقف والمصالح بين كل من الجزائر وروسيا، على خلفية رفض الجزائر للوجود العسكري الروسي في مالي، مقابل تمسك موسكو بتعزيز حضورها في هذا البلد، حيث أعلنت روسيا منذ أيام رفضها للخروج من البلاد بناء على مطالب الجماعات المسلحة التي يرتبط بعض قاداتها بعلاقات وطيدة مع النظام الجزائري.
كما أن الرئيس الجزائري، عبد المجيد تبون، جدد في خرجته الإعلامية الأخيرة يوم السبت الماضي، انتقاداته لما وصفه بالتدخلات الأجنبية في مالي، في إشارة غير مباشرة إلى الوجود الروسي في المنطقة، وهو ما قد يعيد "البرود السابق" الذي كان قد طبع العلاقات الثنائية بسبب نفس القضية.
ويُبرز هذا التضارب "مفارقة التوازنات الإقليمية" في قضية مالي، بالنظر إلى العلاقات التاريخية الوثيقة بين الجزائر وروسيا، الممتدة منذ فترة الحرب الباردة، حيث كانت الجزائر ضمن الحلف المقرب من الاتحاد السوفياتي، كما لا تزال موسكو المزود الرئيسي للجزائر بالأسلحة.
وبالمقابل تضع هذه الأزمة المغرب في موقف الدفاع عن استمرار الحكومة ورفض الهجمات التي وصفتها الرباط بـ"الإرهابية والانفصالية"، وهو الموقف الذي يتماشى مع موقف موسكو التي تُجاهد ميدانيا لإبقاء الوضع دون سقوط باماكو في يد الجماعات المسلحة، ولا سيما أن سيطرة الجماعات المسلحة على البلاد يُهدد المنطقة باضطرابات شديدة، بالنظر إلى أن تحالف الجماعات المسلحة، هو تحالف مؤقت ضد الحكومة المالية الانتقالية، في حين تختلف كليا في أهدافها، حسب ما تؤكده العديد من التقارير.
ويضع موقف الرباط من الأوضاع في مالي، (يضع) المملكة المغربية على ضفة مختلفة عن حليفتها التقليدية، فرنسا، التي تعرف علاقاتها مع مالي توترا متزايدا، حيث كانت باماكو قد أنهت الوجود العسكري الفرنسي على أراضيها في السنوات الأخيرة، مفضلة تعزيز التعاون مع روسيا.
وترى قراءات سياسية أن فرنسا، التي كانت تعتبر مالي إحدى ركائز استراتيجيتها في مكافحة الإرهاب في الساحل، لم تعد تنظر بإيجابية إلى استمرار النظام الحالي في باماكو. وفي هذا الإطار، تشير تقارير إعلامية إلى أن باريس قد ترى في تغير موازين القوى داخل مالي فرصة لإعادة تموقعها في المنطقة، بعد تراجع نفوذها خلال السنوات الأخيرة، وهو ما يعني تضارب المصالح مع الرباط.
وفي ظل استمرار المعارك وعدم وضوح أفق الحل، تبدو أزمة مالي مرشحة لمزيد من التعقيد، مع ما يحمله ذلك من تداعيات على التوازنات الإقليمية والدولية، وعلى علاقات قوى كبرى كانت إلى وقت قريب ضمن نفس المحاور.


