جغرافيا المغرب بين النعمة والنقمة
ما حدث خلال الأسبوع الماضي في مدينة سبتة من محاولات العبور الجماعي نحو أوروبا، فتح الباب أمام أسئلة كثيرة: هل يعكس ذلك فعلًا رغبة متزايدة في الهروب من المغرب، أم أننا أمام ظاهرة أوسع بكثير، ترتبط بالفوارق الاقتصادية والاجتماعية بين ضفتي المتوسط، وبالموقع الذي وضع المغرب في قلب هذه المعادلة؟
ولفهم ما حدث في سبتة، لا بد من النظر إلى الطريق الذي سبق الوصول إليها. فالمغرب بحكم موقعه أصبح محطة رئيسية للهجرة القادمة من دول جنوب الصحراء، حيث يقطع كثير من المهاجرين مسافات طويلة عبر بلدان إفريقية مختلفة قبل أن يصلوا إلى شمال المغرب، الذي يمثل بالنسبة إليهم آخر محطة قبل أوروبا. لذلك فإن ما يحدث عند الحدود المغربية هو في جزء كبير منه نتيجة لمسار بدأ بعيدًا عن المغرب نفسه.
وهذا لا يعني أن المغرب لا يواجه مشاكله الداخلية. هناك مشاكل حقيقية تتعلق بالبطالة والتنمية والتفاوت الاجتماعي، ولا يمكن تجاهلها أو التعامل معها وكأن الحديث عنها مجرد حملة ضد المغرب. لكن اختزال ما حدث في سبتة في أزمة مغربية فقط سيكون قراءة ناقصة للمشهد، فالهجرة التي تصل إلى شمال المغرب ليست مغربية في معظمها، وإنما هي جزء من حركة أكبر بدأت من دول إفريقية مختلفة، وجدت في المغرب، بحكم موقعه، إحدى آخر المحطات قبل الوصول إلى أوروبا.
وربما الأهم من السؤال عن سبب رغبة بعض المغاربة في الوصول إلى أوروبا، هو أن نسأل لماذا تبدو أوروبا بالنسبة إلى كثير منهم مكانًا أفضل للمستقبل. الفارق لا يتعلق بالرواتب وحدها، وإنما أيضًا بمستوى الخدمات ونمط الحياة والفرص المتاحة أمام من يتمكن من تسوية وضعه والدخول إلى سوق العمل.
ثم إن أوروبا ليست سوقًا واحدة بالنسبة إلى من يحلم بالوصول إليها؛ هناك دول كثيرة، وأجور مختلفة، وفرص عمل متعددة، فأوروبا بالنسبة إلى من يبحث عن فرصة أفضل ليست مجرد بلد واحد، وإنما فضاء واسع تتفاوت فيه الأجور والفرص والخدمات، ويمكن لمن يسوي وضعه القانوني أن يتحرك داخله بحثًا عن ظروف أفضل نسبيا مقارنة ببلد أفريقي أو عربي.
لكن سبتة لا تفتح فقط ملف الهجرة، بل تعيد إلى الواجهة سؤالًا آخر أكثر حساسية بالنسبة إلى المغرب: إذا كانت سبتة ومليلية تمثلان بالنسبة إلى الرباط قضية تاريخية وسيادية، فلماذا لا تتحول هذه القضية إلى مواجهة مباشرة مع إسبانيا؟ ولماذا لا نرى المغرب يضع هذا الملف في مقدمة أجندته السياسية، كما يفعل في قضايا أخرى يعتبرها مرتبطة بوحدته الترابية؟
ربما يحتاج فهم موقف المغرب من سبتة ومليلية إلى النظر إلى المسألة بمنطق الدول ومصالحها، لا بمنطق الشعارات وحدها. فالمغرب يتمسك بموقفه التاريخي من المدينتين، لكنه يعرف في الوقت نفسه أن إسبانيا ليست مجرد الطرف الذي يسيطر عليهما، بل جار وشريك اقتصادي وأمني وسياسي، وعضو في الاتحاد الأوروبي، وبين البلدين مصالح واسعة في التجارة والطاقة والهجرة والأمن.
كما أن العلاقات بين الرباط ومدريد شهدت تحولًا مهمًا خلال السنوات الأخيرة، خصوصًا بعد موقف إسبانيا الجديد من قضية الصحراء ودعمها لمبادرة الحكم الذاتي، ولذلك ليس من مصلحة المغرب تحويل ملف سبتة ومليلية إلى مواجهة مفتوحة قد تهدد هذه العلاقة، ثم إن المدينتين مرتبطتان منذ سنوات بمحيطهما المغربي بحركة تجارية وبشرية واسعة، ما يجعل أي تغيير مفاجئ في وضعهما قضية تتجاوز السياسة إلى مصالح آلاف الأشخاص في المنطقة.
لهذا يبدو أن المغرب اختار التعامل مع الملف بمنطق إدارة الخلاف بدل تفجيره. وهذا لا يعني أنه تخلى عن موقفه التاريخي، وإنما يعني أن الدول لا تتعامل مع قضاياها فقط وفق ما تعتبره حقًا تاريخيًا، بل وفق ما تستطيع تحقيقه في ظل موازين القوى والمصالح القائمة.
ولعل تجربة الإمارات وعُمان تقدم مثالًا على ذلك؛ فتعقيدات الحدود والجغرافيا لم تتحول بين البلدين إلى سبب دائم للصراع والقطيعة، بل جرى التعامل معها ضمن علاقات أوسع تحكمها المصالح المشتركة وحسن الجوار والاستقرار.
وفي حالة المغرب، تبدو هذه الواقعية أكثر وضوحًا عندما ننتقل من قضية سبتة ومليلية إلى ملف الهجرة، وهو الملف الذي جعل المغرب وأوروبا في حاجة مستمرة إلى التعاون رغم كل الخلافات القائمة بينهما.
فالمغرب الذي يتعرض للانتقاد بسبب ملف الهجرة، هو نفسه الذي تحتاج إليه أوروبا في هذا الملف، بحكم موقعه وحدوده القريبة منها. ولهذا أصبحت الرباط طرفًا أساسيًا في التعاون مع الأوروبيين للحد من الهجرة غير النظامية ومراقبة الطرق التي يسلكها المهاجرون باتجاه الشمال.
لكن المشكلة أن ما يحدث على الحدود المغربية لا يبدأ هناك أصلًا؛ فجزء كبير ممن يصلون إلى شمال المغرب قادمون من دول إفريقية أخرى، بعدما قطعوا مسافات طويلة هربًا من الفقر أو الحروب أو غياب فرص العمل. ولذلك فإن التعامل مع المغرب باعتباره مجرد حاجز أمام الهجرة يبقى قراءة ناقصة للمشكلة، لأنك قد تمنع العبور عند الحدود، لكنك لن تمنع الأسباب التي تدفع الناس إلى الوصول إليها.



