مشاريع التطبيع ونهاية النظام العربي

ظهر جلياً مع التطورات الأخيرة أن "التضامن العربي"، و"وحدة الرؤية"، ومحورية القضية الفلسطينية، شعارات جوفاء، وأن جامعة الدول العربية هي في أحسن الأحوال، غطاء لتمرير مصالح بعض الدول، وفي أسوئها عبء ينبغي التخلص منه.

تعرضت المنظومة العربية في غضون أغسطس/آب المنصرم وبداية سبتمبر/أيلول لسلسلة من الاختبارات جعلتها على المحكّ، مع اهتزاز "التضامن" العربي ، وتعرض جامعة الدول العربية التي من شأنها أن تكون الحاضنة للمنظومة العربية، لأزمة وجودية، وما ينبغي أن تقوم عليه من واجب "التضامن"، و"وحدة الرؤية"، و"المصير المشترك" جراء إجراءات التطبيع الرسمي مع كل من الإمارات العربية المتحدة وإسرائيل من جهة، والبحرين من جهة أخرى، وإمكانية تطبيع دول أخرى، أو التطبيع غير الرسمي.

ظهر جلياً مع التطورات الأخيرة أن "التضامن العربي"، و"وحدة الرؤية"، ومحورية القضية الفلسطينية، شعارات جوفاء، وأن جامعة الدول العربية هي في أحسن الأحوال، غطاء لتمرير مصالح بعض الدول، وفي أسوئها عبء ينبغي التخلص منه، مثلما لا تتورع بعض المَلكيات عن الجهر بذلك، والتعبير عن تضايقها من الجامعة العربية، وعدم حضور ملتقياتها والاستنكاف عن احتضان قممها.

طبعاً أزمة الجامعة العربية عميقة، وتعود إلى الستينيات من القرن الماضي حينما توزع العالم العربي حينها ما بين دول تقدمية في ركاب مصر الناصرية، ودول محافظة في ركاب سعودية الملك فيصل.

لكن الجامعة العربية ظلّت رغم ذلك، البيتَ الذي يحافظ على الحد الأدنى من التضامن، إلى غاية اتفاق كامب ديفيد ما بين مصر وإسرائيل سنة 1979، وزعْم السادات حينها أن الولايات المتحدة تمتلك تسعة وتسعين في المئة من أوراق الحل، وواحد في المئة موزع ما بين العالم العربي والقوى الحية في مصر.

تغيير براديغم أكبر دولة في العالم العربي، وهي مصر، أثّر في جامعة الدول العربية ودورها، وحصل من ثم تقارب بين القطبين اللذين كانا يتبادلان العداء، مصر والسعودية، في رؤية موحدة، وتحالفات مشتركة، وتقسيم مهام، وتنسيق ظاهر وخفي، مع وسائل التأثير المالي للسعودية بفضل طفرة البترول.

اتخذت قمة الدول العربية في بغداد سنة 1980 قرار نقل مقر الجامعة العربية إلى تونس، ومنذ ذلك التاريخ كانت الجامعة العربية كياناً بغير روح، لا تعبّر عن تضامن، ولا دفاع مشترك، وتوزع العالم العربي بين محاور، بين دول تُنعت بالواقعية، حليفة للولايات المتحدة، ومحور ما كان يسمى بالصمود والتصدي الذي كان يرفض الوصاية الأمريكية، ويرتبط بعلاقات متميزة مع الاتحاد السوفييتي.

عادت مصر إلى حضن الجامعة العربية في قمة الدار البيضاء سنة 1989، واستعادت مصر مقر الجامعة العربية، لكن الجامعة لم تستعد دورها الذي كان لها قبل كامب ديفيد. وترسخت أزمة المنظومة العربية ومن ثمة الجامعة العربية في خضم أزمة الخليج سنة 1990، واجتياح العراق للكويت. تم تحييد دور الجامعة لفائدة ما سُمي بمجموعة 6+2، أي دول الخليج زائد مصر وسوريا، السائرة في ركاب التحالف الدولي.

التحولات الأخيرة التي تمثلت في إعلان اتفاق التطبيع ما بين إسرائيل والإمارات العربية، وفشل استصدار قرار لجامعة الدول العربية بإدانة التطبيع، ثم إعلان البحرين التطبيع مع إسرائيل، كلها تدقّ إسفين النهاية، أو رصاصة الرحمة، وتعلن نهاية النظام العربي، وترنح جامعة الدول العربية. ومن العبث الحديث منذ الآن عن منظومة عربية، و"تضامن" عربي، ووحدة رؤية، وقضايا مصيرية، في ظل التطورات الحالية.

الطريف أن سبق لجامعة الدول العربية قبل شهرين أن ندّدت في ما يخصّ الأزمة الليبية بالتدخلات الخارجية، ونادت بحلّ القضية الليبية في إطار عربي، فكيف لها أن تنادي بـ"التضامن" في القضية الليبية وتُحجِم عن ذلك في القضية الفلسطينية؟

من أجل حفظ ماء الوجه، تنادي الدول المطبّعة، أو التي هي سائرة في طريق التطبيع، بالمبادرة العربية التي تم تبينها في قمة بيروت سنة 2002، الداعية إلى حلّ الدولتين، لكن ماذا بقي من المبادرة العربية؟

هي غير قابلة للحياة بعد عمليات الضمّ والاستيطان وتغيُّر معالم الواقع على الأرض. المبادرة العربية والدعوة إلى التمسك بها تعبير إنشائي للتضليل أو إبراء الذمة، أو خدمة الشفاه كما يقول الأمريكيون، لا تسمن ولا تغني من جوع. ومنذ إطلاق المبادرة العربية واجهتها إسرائيل بالزراية، ولم تُعِرْها أهمية واعتبرتها كأنها لم تكن، وأرسلت غداة تبنيها دباباتها تقصف مقر الرئيس الفلسطيني ياسرعرفات في رام الله.

من معالم نهاية المنظومة العربية، التذبذب واتخاذ مواقف متناقضة من قِبل الدول المطبعة، ومنها زعم الدفاع عن القضية الفلسطينية وحل الدولتين، مع إجراءات التطبيع. لذلك لم يكن من قبيل التخرص مناداة السلطة الفلسطينية بالخروج عن جامعة الدول العربية، لأن النظام العربي انتهى، وظل الخيط الرابط له هو القضية الفلسطينية.

كانت الدعائم الكبرى لجامعة الدول العربية حين نشأتها هي دعم الدول المغاربية التي كانت ترزح تحت نير الاستعمار، من أجل استقلالها، وقد تحقق ذلك، وإرساء التضامن العربي، والدفاع المشترك، ولكن هذين المقتضيين كانا شعاراً أكثر منهما حقيقة، وفشلت جامعة الدول العربية في حل النزاعات الثنائية، وبقيت القضية الفلسطينية الحد الأدنى الذي يمنح الجامعة العربية مسوّغ وجود، لذلك لم يعد من مبرر لوجودها مع فشلها في تبنِّي موقف واضح وصريح في القضية الفلسطينية.

لقد كانت الجامعة العربية منذ أزمة الخليج لسنة 1990 في موت سريري. واللافت أن كلاً من جامعة الدول العربية ومنظمة التضامن الإسلامي، لا تعبّر عن إطار للدفاع عن المصالح العربية وقضاياها، ولا لقضايا العالم الإسلامي، ولكن كأداتين، الأولى في يد مصر، والثانية في خدمة السعودية، ففي الوقت الذي كانت فيه غزة تتعرض سنة 2009، للقصف من قِبل القوات الإسرائيلية، أغلقت السلطات المصرية معبر رفح حتى في وجه المساعدات الطبية، ولا تتحرك السعودية في إدانة ما يعرفه مسلمو الروهينغيا، ولا كشمير، ولا الأويغور، ولا ضد الإسلاموفوبيا في الغرب، أو حتى لما يتم من التعرض لرموز الإسلام في الدول الغربية، من الإزراء بالنبي محمد عليه السلام، أو انتهاك حرمة القرآن.

طبعاً من مصلحة دول محور المحافظة الحفاظ على جامعة الدول العربية ككيان من غير روح، وليس من مصلحة من يؤمنون بدينامية التغير، وبالقيم القائمة على الحق والعدل، البقاء في إطار من غير جدوى سوى البلاغات الإنشائية، أو تسويغ منظومة منتهية الصلاحية.

انتهت جامعة الدول العربية، وهي لا تصلح إلا كمومياء محنطة، لتبرير مصالح ورؤى لا تنسجم مع قيم العدل ولا دينامية الشعوب. ومن واجب الشعب الفلسطيني أن يستخلص العبرة، ويعتبر القضية الفلسطينية قضية إنسانية تسائل الضمير الكوني.

المصدر: TRT عربي

الأحد 15:00
غيوم قاتمة
C
°
24.37
الأثنين
24.7
mostlycloudy
الثلاثاء
24.53
mostlycloudy
الأربعاء
29.45
mostlycloudy
الخميس
24.63
mostlycloudy
الجمعة
24.56
mostlycloudy