حين تعيد الجغرافيا توزيع المصالح
لم يعد كافيا أن نقرأ الاتفاق الثلاثي بين الولايات المتحدة والمغرب وإسرائيل باعتباره مجرد محطة جديدة في مسار بدأ سنة 2020، فرفع التمثيل الدبلوماسي بين الرباط وتل أبيب إلى مستوى السفارات وتبادل السفراء جاء في لحظة تتغير فيها خرائط القوة، وتضيق فيها هوامش المناورة، وتعود فيها الجغرافيا لتفرض نفسها على الحسابات السياسية والاقتصادية والأمنية.
في اليوم نفسه الذي اتفقت فيه الرباط وتل أبيب، برعاية واشنطن، على ترقية علاقاتهما، كانت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين تقف في ستراسبورغ لتقترح لأوروبا هندسة أمنية أوسع من خلال آلية أوروبية شبيهة بالمادة الرابعة لحلف الناتو، ومجلسا أمنيا يضم بريطانيا وكندا والنرويج وأوكرانيا وشركاء آخرين، حيث لم تعلن أوروبا القطيعة مع واشنطن، لكنها قالت بوضوح إن زمن الارتهان الكامل لمظلة واحدة لم يعد كافيا. وهنا تبدأ الصورة الحقيقية في الظهور.
الحرب في أوكرانيا، والتوترات في الشرق الأوسط، واضطراب الطاقة، والهشاشة التي أصابت سلاسل الإمداد، والمخاطر التي تحيط بالملاحة في باب المندب وهرمز، كلها أعادت الاعتبار إلى الممرات البحرية.
وحين تصبح الطرق الشرقية أكثر تعرضا للضغط، ترتفع تلقائيا قيمة الغرب، ويرتفع معها وزن جبل طارق، أحد أهم مفاتيح الربط بين الأطلسي والمتوسط، والذي تمر عبره، وفق دراسة حديثة، نحو 15 في المائة من قيمة التجارة البحرية العالمية.
من هنا تحديدا يمكن فهم لماذا يزداد موقع المغرب أهمية، فالرباط ليست فقط شريكا سياسيا لواشنطن، بل تقع على بعد نحو 14 كيلومترا من أوروبا، وتطل على فضاء بحري بالغ الحساسية، وتتصل جغرافيا وأمنيا بالأطلسي والمتوسط والساحل وغرب إفريقيا، وفي عالم يعيد اكتشاف قيمة المضائق، يصبح الموقع نفسه ورقة قوة.
لكن الموقع وحده لا يصنع التحالفات، الذي يصنعها هو التقاء المصالح، وهنا، المغرب يريد أن يحول ما راكمه دبلوماسيا في ملف الصحراء إلى مكسب قانوني وسياسي أكثر رسوخا، في حين تريد واشنطن شريكا مستقرا في الضفة الجنوبية لأوروبا، في وقت تعيد فيه القارة نفسها تعريف أمنها.
أما إسرائيل فتريد نقل علاقتها بالمغرب من صيغة الاتصال إلى بنية دبلوماسية كاملة وأكثر صلابة، وتوسيع حضورها داخل المجال العربي والإسلامي، والاتفاق الأخير، الذي أكد فتح السفارات وتعيين السفراء، يعكس هذا الانتقال من تفاهم سياسي إلى علاقة مؤسساتية أعمق.
ليس في ذلك تطابق كامل بين الأهداف، ولا تحالفا خاليا من التناقضات، بل على العكس، تكمن قوته تحديدا في أن كل طرف يدخل إليه من باب مختلف، لكنه يجد عند نقطة معينة ما يحتاج إليه.
بالنسبة إلى المغرب، فإن الامتحان الحقيقي لن يكون في افتتاح سفارة ولا في تبادل السفراء، بل في ما سيجري داخل مجلس الأمن في أكتوبر النقبل، والقرار 2797 مدّد مهمة "المينورسو" إلى 31 أكتوبر 2026، ما يجعل المحطة المقبلة حاسمة في قياس حجم ما استطاعت الرباط تحويله من دعم سياسي إلى مرجعية أممية أكثر صلابة.
المغرب يريد أن ينتقل تدريجيا من مرحلة الدفاع عن مقترح الحكم الذاتي إلى مرحلة تثبيته باعتباره الإطار العملي للحل، وما إذا كان مجلس الأمن سيذهب أبعد في هذا الاتجاه سيظل رهينا بموازين أعضائه وبصياغة القرار المقبل.
هكذا تبدو الصورة أكثر وضوحا، أوروبا تعيد ترتيب أمنها، واشنطن تعيد تثبيت شركائها، إسرائيل توسع دوائرها، والمغرب يحاول تحويل موقعه الجغرافي إلى نفوذ، والنفوذ إلى مكسب سياسي.
إنها ليست مصادفة أحداث متزامنة، بل سلسلة مصالح تتحرك مثل قطع الدومينو، وفي عالم تتغير فيه التحالفات بسرعة، تعود القاعدة القديمة إلى الواجهة: الدول لا تجتمع لأنها تتشابه، بل لأنها تجد عند بعضها ما تحتاج إليه.




