"دائرة الموت" بالرباط.. وزراء حاليون وسابقون وقيادات حزبية كبرى يتصارعون على مقعد تحت قبة البرلمان

 "دائرة الموت" بالرباط.. وزراء حاليون وسابقون وقيادات حزبية كبرى يتصارعون على مقعد تحت قبة البرلمان
الصحيفة - خولة اجعيفري
الأحد 31 ماي 2026 - 18:00

بدأت ملامح واحدة من أعنف المعارك الانتخابية المرتقبة في المغرب تتشكل مبكرا داخل العاصمة الرباط حيث تتحول دائرة المحيط التي طالما وُصفت داخل الكواليس الحزبية والاعلامية بـ"دائرة الموت"، إلى ساحة مواجهة مفتوحة بين وزراء حاليين ووزراء سابقين وقيادات سياسية من الصف الأول في سباق يبدو أنه سيتجاوز حدود التنافس المحلي التقليدي ليأخذ أبعادا سياسية ووطنية تعكس موازين القوى الحقيقية قبيل الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر 2026.

ولم يأت لقب "دائرة الموت" من فراغ، فمنذ سنوات طويلة ارتبط اسم هذه الدائرة الانتخابية الواقعة في قلب العاصمة بمفاجآت انتخابية متكررة وبمعارك سياسية لا تشبه باقي الدوائر فهي دائرة صغيرة نسبيا من حيث المساحة الجغرافية لكنها كبيرة من حيث رمزية الرهانات السياسية التي تحملها كما أنها تضم أحياء ذات حمولة تاريخية وسياسية واجتماعية خاصة من بينها حي المحيط والمدينة القديمة وأحياء أخرى شكلت على امتداد عقود خزانا انتخابيا تتداخل داخله الولاءات الحزبية التقليدية مع الاعتبارات الاجتماعية والشخصية وشبكات النفوذ المحلية.

وتكتسب هذه الدائرة خصوصيتها أيضا من كونها تقع في قلب العاصمة السياسية للمملكة حيث تتركز الإدارات المركزية والمؤسسات الدستورية ومراكز القرار، الأمر الذي يجعل نتائجها تحظى دائما باهتمام خاص من قبل الأحزاب ووسائل الإعلام والفاعلين السياسيين فيما ومع اقتراب موعد الانتخابات المقبلة بدأت الأحزاب الكبرى في الكشف تدريجيا عن أوراقها لتتشكل أمام المتابعين صورة أولية لمعركة قد تكون من بين الأقوى على الصعيد الوطني.

ويتصدر المشهد محمد المهدي بنسعيد وزير الشباب والثقافة والتواصل والقيادي البارز في حزب الأصالة والمعاصرة الذي يُنظر إليه باعتباره المرشح الأقوى داخل معسكر الأغلبية الحكومية في هذه الدائرة فالرجل لم يعد مجرد وزير داخل الحكومة بل تحول خلال السنوات الأخيرة إلى أحد أبرز الوجوه السياسية الصاعدة داخل حزبه كما استطاع أن يبني حضورا ميدانيا متواصلا داخل الرباط من خلال شبكة واسعة من الأنشطة الثقافية والاجتماعية والجمعوية.

ويعوّل بنسعيد على عدة عناصر قوة أبرزها حضوره الحكومي، والدعم التنظيمي الذي يوفره له حزب الأصالة والمعاصرة، إضافة إلى شبكة العلاقات المحلية التي راكمها منذ سنوات داخل العاصمة كما أن الحزب يعتبر دائرة المحيط إحدى أهم معاركه الرمزية بالنظر إلى الثقل السياسي الذي تمثله غير أن الطريق أمام الوزير الشاب لن تكون مفروشة بالورود، إذ يجد نفسه في مواجهة خصوم من الوزن الثقيل لكل منهما تاريخه السياسي وشبكاته الخاصة.

أول هؤلاء هو مصطفى الخلفي الوزير السابق للاتصال والناطق الرسمي الأسبق باسم الحكومة، وأحد أبرز الوجوه التي طبعت تجربة حزب العدالة والتنمية خلال فترة قيادته للحكومة فيما يبدو أن الأمين العام للحزب عبد الإله بنكيران منح الضوء الأخضر للخلفي من أجل قيادة المعركة الانتخابية في دائرة المحيط، خاصة في ظل المعطيات المتداولة حول عدم ترشح بنكيران شخصيا خلال الاستحقاقات المقبلة.

ويملك الخلفي عناصر قوة لا يستهان بها، فهو صحافي سابق وفاعل سياسي راكم تجربة طويلة داخل الحقل الإعلامي والسياسي كما أن مقر جريدة "التجديد" التي أشرف على تحريرها لسنوات كان يوجد داخل المنطقة نفسها ما جعله على تماس مباشر مع النسيج الاجتماعي والاقتصادي والسياسي للدائرة كما أن الرجل حافظ على صورة أقل استقطابا مقارنة ببعض قيادات العدالة والتنمية الأخرى، وهو ما قد يمنحه هامشا إضافيا لاستقطاب جزء من الأصوات المترددة.

أما المنافس الثالث الذي يترقب الجميع دخوله الرسمي إلى الحلبة فهو عبد الكريم بنعتيق، الوزير السابق المكلف بالمغاربة المقيمين بالخارج وشؤون الهجرة وأحد الوجوه التاريخية للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية ويستند بنعتيق إلى رصيد سياسي يمتد لعقود فضلا عن انتمائه الاجتماعي للمنطقة باعتباره ابن حي المحيط وهي نقطة يعتبرها كثير من المتابعين أحد أبرز أوراقه الانتخابية.

ويُعرف بنعتيق بكونه من السياسيين الذين حافظوا على حضورهم داخل أجهزة الحزب والدولة على امتداد سنوات طويلة، كما راكم خبرة في العمل البرلماني والحكومي والنقابي، وهو ما يجعل ترشحه يمنح الاتحاد الاشتراكي فرصة للعودة إلى دائرة فقد جزءا مهما من نفوذه داخلها خلال السنوات الأخيرة.

لكن المفاجأة الحقيقية قد تأتي من الأحزاب التي لم تكشف بعد بشكل رسمي عن مرشحيها فداخل التجمع الوطني للأحرار، تتداول الأوساط السياسية وفق ما علمته "الصحيفة" اسم طه الجماني كأحد أبرز المرشحين المحتملين لخوض السباق وإذا ما تأكد هذا الاختيار فإن الحزب سيكون قد قرر الدخول بكامل ثقله إلى دائرة المحيط وعدم ترك الساحة لخصومه التقليديين كما أن هذا الترشيح سيحمل رسائل سياسية مرتبطة بإعادة ترتيب البيت الداخلي للحزب داخل العاصمة بعد التغييرات التي عرفتها قيادته التنظيمية.

أما حزب الاستقلال، فما يزال يحتفظ بجزء من الغموض حول مرشحه النهائي غير أن النقاشات الداخلية تدور أساسا حول اسمين بارزين الأول هو عبد الإله الإدريسي البوزيدي الذي يملك تجربة انتخابية سابقة بالدائرة ويعرف تفاصيلها الدقيقة، والثاني هو البشير صاخي الذي يُنظر إليه داخل بعض الأوساط الاستقلالية كخيار قادر على ضخ دماء جديدة في المعركة.

ولا تتوقف اللائحة عند هذه الأسماء فقط فهناك أيضا علي لطفي، الكاتب الوطني للمنظمة الديمقراطية للشغل الذي يجري تقديمه باعتباره أحد أبرز المرشحين عن حزب الديمقراطيين في إطار محاولات إعادة إحياء حضور اليسار داخل العاصمة.

أما الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية، فقد قرر عدم خوض غمار الانتخابات المقبلة بدائرة المحيط بالرباط، دون أن يحسم في قرار الترشح بدائرة انتخابية أخرى من غيره وفقر ما أكدته مصادر حزبية لـ"الصحيفة".

ويجمع المراقبون على أن ما يجعل هذه الدائرة استثنائية ليس فقط كثرة المرشحين أو ثقل أسمائهم بل طبيعة الناخبين أنفسهم فدائرة المحيط معروفة تاريخيا بأنها لا تمنح أصواتها بسهولة كما أن سلوكها الانتخابي يصعب توقعه ففي كل استحقاق تقريبا تنقلب الحسابات وتنهار توقعات الأحزاب ومكاتب الدراسات ما جعلها تتحول إلى كابوس حقيقي بالنسبة للمرشحين وإلى مختبر سياسي يختبر قدرة الأحزاب على التعبئة والإقناع.

كما أن هذه الدائرة تتميز بوجود كثافة كبيرة من الموظفين والأطر والطبقة الوسطى والناخبين ذوي الاهتمام المباشر بالشأن السياسي، وهو ما يجعل الحملات الانتخابية داخلها أكثر تعقيدا من الدوائر التقليدية التي تتحكم فيها الولاءات المحلية أو النفوذ المالي.

ومع بقاء عدة أشهر على موعد الاقتراع، تبدو دائرة المحيط مرشحة لتكون العنوان الأبرز للانتخابات التشريعية المقبلة فالمواجهة المرتقبة تجمع فقط بين مشاريع سياسية متناقضة ورهانات حزبية متباينة وطموحات شخصية كبيرة وهي معركة ستتابعها الأحزاب الوطنية بدقة، لأن نتائجها لن تحدد فقط هوية النواب الذين سيمثلون الرباط داخل البرلمان بل قد تقدم أيضا مؤشرات مبكرة على اتجاه الرياح السياسية في المغرب قبل الدخول في المنعطف الانتخابي الحاسم لسنة 2026

The comments are closed in this post

صحراويو تندوف.. حان وقت التحرر من اللاّخِيار

بعد نصف قرن من الانتظار، لم يعد سؤال المستقبل بالنسبة إلى الصحراويين الموجودين في مخيمات تندوف، جنوب الجزائر، سؤالا مؤجلا إلى ما لا نهاية، فالأجيال التي وُلدت في تلك المخيمات، ...

استطلاع رأي

هل تتوقع أن تخسر إيران الحرب ضد الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل؟

Loading...