دور التفضيل الوطني في الصفقات العمومية كآلية لدعم "صنع في المغرب"
لم يعد النقاش القانوني المرتبط بالصفقات العمومية في المغرب ينحصر في حدود البحث عن أنجع المساطر الكفيلة بضمان المنافسة والمساواة والشفافية وترشيد الإنفاق العمومي، وإنما اتجه، خلال السنوات الأخيرة، نحو مستوى أكثر تركيباً وعمقاً يرتبط بوظيفة الصفقة العمومية ذاتها داخل المنظومة الاقتصادية الوطنية، وبمدى قدرتها على التحول من مجرد تقنية تعاقدية لتدبير الحاجيات الإدارية إلى أداة استراتيجية لإنتاج القيمة المضافة الوطنية وتوجيه الاستثمار ودعم المقاولة المغربية وتعزيز الاندماج الصناعي والرفع من معدلات التشغيل وتوطين الخبرة والتكنولوجيا.
ويجد هذا التحول سنده في التحولات التي عرفتها فلسفة التدخل العمومي الحديثة، والتي أصبحت تنظر إلى الطلب العمومي باعتباره أحد أهم أدوات القيادة الاقتصادية غير المباشرة، بالنظر إلى الحجم المالي الضخم الذي تمثله الطلبيات العمومية داخل الدورة الاقتصادية الوطنية، وما يترتب عن ذلك من آثار ممتدة على الإنتاج والاستهلاك والاستثمار والتنافسية.
وفي هذا الإطار، جاء المرسوم رقم 2.22.431 المتعلق بالصفقات العمومية الصادر في 8 مارس 2023 والمنشور بالجريدة الرسمية عدد 7184 بتاريخ 3 أبريل 2023 ليؤسس لمرحلة جديدة في تطور القانون الإداري الاقتصادي بالمغرب، من خلال إرساء مجموعة من الآليات القانونية والتنظيمية الرامية إلى جعل الصفقة العمومية أداة لتحقيق الأهداف التنموية للدولة، وليس مجرد وسيلة لاقتناء الأشغال أو التوريدات أو الخدمات.
فمن خلال قراءة متأنية لمقتضيات هذا المرسوم، يتضح أن المشرع لم يعد ينظر إلى الإنفاق العمومي بمنطق الكلفة المباشرة فقط، وإنما بمنطق العائد الاقتصادي الكلي، أي بمدى قدرة النفقة العمومية على توليد آثار إنتاجية واستثمارية وتشغيلية داخل الاقتصاد الوطني.
وتبرز أهمية هذا التوجه بصورة أوضح عند استحضار المكانة التي أصبحت تحتلها فكرة التفضيل الوطني داخل الهندسة القانونية للصفقات العمومية. فالتفضيل الوطني لا يمثل امتيازاً اعتباطياً ممنوحاً للمقاولة الوطنية، ولا يشكل خروجاً عن قواعد المنافسة كما قد يتبادر إلى الذهن لأول وهلة، وإنما يعكس توجهاً تشريعياً يروم تصحيح الاختلالات البنيوية التي تميز السوق التنافسية الدولية، ويهدف إلى تمكين الفاعل الاقتصادي الوطني من الاستفادة من القوة الشرائية للدولة باعتبارها أحد أهم محركات النشاط الاقتصادي. ومن ثم فإن التفضيل الوطني يمكن اعتباره تجسيداً لما يمكن تسميته بمفهوم "الاستثمار التعاقدي العمومي"، أي توظيف التعاقد الإداري كوسيلة لإعادة إنتاج الثروة الوطنية داخل المجال الاقتصادي الوطني.
وقد كرس المرسوم المذكور هذا التوجه من خلال مجموعة من المقتضيات ذات الدلالة الاستراتيجية، لعل أبرزها ما ورد ضمن المادة 82 التي أتاحت إمكانية تخصيص نسبة تصل إلى ثلاثين في المائة من المبلغ التقديري للصفقات لفائدة المقاولات الوطنية، بما فيها المقاولات الصغيرة جداً والصغرى والمتوسطة والتعاونيات واتحادات التعاونيات والمقاولون الذاتيون. وتكشف هذه المقتضيات عن انتقال المشرع من منطق المساواة الشكلية إلى منطق العدالة التنافسية، وهي مقاربة حديثة تسعى إلى تمكين الفاعلين الاقتصاديين الأقل قدرة من الولوج إلى السوق العمومية في إطار ما يمكن وصفه بـ"التوازن التعاقدي التنموي".
كما أن المادة 155 من المرسوم ذاته تشكل إحدى أهم الركائز القانونية الداعمة للتفضيل الوطني، إذ أقرت إمكانية تطبيق أفضلية لفائدة المقاولة الوطنية عند تقييم العروض المقدمة في إطار المنافسة، وذلك من خلال آلية قانونية تهدف إلى تقليص الفوارق التنافسية الناتجة عن تفاوت الإمكانات المالية والتكنولوجية بين المقاولات الوطنية ونظيراتها الأجنبية.
وتكتسي هذه الآلية أهمية خاصة بالنظر إلى كونها تؤسس لما يمكن تسميته بـ"التقويم الاقتصادي للعطاءات"، أي تقييم العرض انطلاقاً من أثره الاقتصادي الوطني وليس فقط من قيمته المالية المجردة.
إن القراءة الحديثة للتفضيل الوطني تقتضي تجاوز المقاربة التقليدية التي تربطه بحماية المقاولة الوطنية فقط، والانتقال نحو فهمه باعتباره آلية لإنتاج السيادة الاقتصادية. فمفهوم السيادة لم يعد يقتصر على المجالات السياسية أو الأمنية أو الترابية، وإنما امتد ليشمل القدرة الوطنية على التحكم في سلاسل الإنتاج والتوريد والتمويل والتكنولوجيا. ومن ثم فإن الصفقة العمومية تتحول إلى أداة لإرساء ما يمكن تسميته بـ"السيادة التعاقدية الاقتصادية"، أي قدرة الدولة على توجيه تدفقاتها المالية العمومية نحو تعزيز استقلاليتها الإنتاجية وتقوية نسيجها الاقتصادي.
ومن هذا المنطلق، يكتسب شعار "صنع في المغرب" بعداً قانونياً واستراتيجياً يتجاوز دلالته التجارية أو التسويقية. فالأمر يتعلق في جوهره بمشروع وطني لإعادة توطين القيمة المضافة داخل الاقتصاد الوطني، ولرفع معدلات الإدماج الصناعي، وتعزيز المحتوى المحلي للمنتجات والخدمات، وتطوير القدرات الإنتاجية للمقاولة المغربية.
لذلك فإن التفضيل الوطني لا يمكن اختزاله في مجرد نسبة مئوية تمنح لهذا العرض أو ذاك، وإنما يمثل آلية لإرساء ما يمكن تسميته بـ"الحكامة الإنتاجية للطلب العمومي"، أي توجيه النفقة العمومية نحو تحقيق أكبر أثر اقتصادي ممكن.
ويزداد هذا المعطى أهمية إذا ما استحضرنا أن الطلب العمومي يمثل أحد أكبر الأسواق داخل الاقتصاد الوطني. فكل صفقة عمومية يتم إسنادها لمقاولة وطنية تساهم بصورة مباشرة أو غير مباشرة في دعم سلاسل الإنتاج المحلية، وتحريك الدورة الاقتصادية، وتوسيع القاعدة الضريبية، وتحفيز الاستثمار، وتعزيز التشغيل. وهو ما يفضي إلى خلق ما يمكن وصفه بـ"الأثر الارتجاعي للنفقة العمومية"، أي عودة جزء مهم من الأموال العمومية إلى الخزينة العامة عبر الضرائب والرسوم والمساهمات الاجتماعية الناتجة عن النشاط الاقتصادي الذي تولده تلك الصفقات.
غير أن نجاح التفضيل الوطني يظل رهيناً بوجود منظومة متكاملة للحكامة والشفافية. فالتفضيل الوطني لا ينبغي أن يتحول إلى آلية لخلق أوضاع احتكارية أو مراكز ريعية أو امتيازات غير مبررة، وإنما يجب أن يظل مرتبطاً بمعايير الكفاءة والجودة والنجاعة. ولذلك حرص المرسوم رقم 2.22.431 على تعزيز رقمنة مساطر الصفقات العمومية، وتوسيع نطاق النشر الإلكتروني، وإرساء آليات جديدة لتبادل المعطيات والوثائق عبر البوابة الوطنية للصفقات العمومية، بما يضمن تكافؤ الفرص ويحد من المخاطر المرتبطة بالتدخلات غير المشروعة أو الممارسات المنافية لقواعد المنافسة.
كما أن التفضيل الوطني يثير إشكالية دقيقة تتعلق بمدى انسجامه مع الالتزامات الدولية للمملكة المغربية، خاصة تلك الناشئة عن اتفاقيات التبادل الحر والاتفاقيات الاقتصادية متعددة الأطراف. غير أن القراءة القانونية المتوازنة لهذه المسألة تكشف أن التفضيل الوطني لا يتعارض في جوهره مع هذه الالتزامات متى تم ممارسته في حدود ما تسمح به الاستثناءات القانونية المرتبطة بالتنمية الاقتصادية ودعم المقاولات الوطنية وتحقيق التوازنات الاجتماعية. فالتجارب المقارنة تبين أن عدداً كبيراً من الدول المتقدمة ما زالت تعتمد سياسات متقدمة للمحتوى المحلي وللأفضلية الوطنية رغم انخراطها في أوسع التكتلات الاقتصادية العالمية.
وعلى مستوى الآفاق المستقبلية، يبدو أن الرهان الحقيقي لم يعد يتعلق فقط بزيادة نسبة ولوج المقاولات الوطنية إلى الصفقات العمومية، وإنما بقدرة هذه المقاولات على تحويل تلك الصفقات إلى فرص للتحديث الصناعي والتطوير التكنولوجي ورفع الإنتاجية. ولذلك فإن المرحلة المقبلة تقتضي الانتقال من مفهوم التفضيل الوطني إلى مفهوم أكثر تطوراً يمكن تسميته بـ"التفضيل التنموي الذكي"، وهو نموذج يربط الاستفادة من الطلب العمومي بمؤشرات دقيقة تتعلق بنسبة الإدماج المحلي ونقل التكنولوجيا وخلق فرص الشغل والاستثمار في البحث والتطوير والتكوين المستمر.
وبذلك يتبين أن التفضيل الوطني في الصفقات العمومية لم يعد مجرد تقنية قانونية ضمن منظومة التعاقد الإداري، وإنما أصبح مكوناً أساسياً من مكونات السياسة الاقتصادية للدولة، وآلية مركزية لدعم "صنع في المغرب"، ورافعة لإرساء نموذج جديد للحكامة الاقتصادية يرتكز على توجيه النفقة العمومية نحو إنتاج الثروة الوطنية وتعزيز السيادة الاقتصادية وتحقيق التنمية المستدامة. ومن ثم فإن القيمة الحقيقية للمرسوم رقم 2.22.431 لا تكمن فقط في تحديث قواعد إبرام الصفقات العمومية، وإنما في كونه أعاد تعريف الوظيفة الاقتصادية للطلب العمومي، وحول العقد الإداري من أداة للإنفاق إلى أداة للبناء الاقتصادي، ومن وسيلة لتدبير الحاجيات إلى وسيلة لصناعة المستقبل الاقتصادي للمملكة.



