دُول الخليج.. المصير المرّ

 دُول الخليج.. المصير المرّ
الصحيفة - افتتاحية
الخميس 9 أبريل 2026 - 0:29

تأتي الحرب الدائرة في الشرق الأوسط بين المثلث المكون من إسرائيل والولايات المتحدة وإيران لتقدم درسا تاريخيا قاسيا وعميقا، يعيد تذكير العرب بأن صراعات الحاضر ليست إلا امتدادا لمواجهات أزلية غارقة في القدم.

 هذه المواجهة التي فرضتها الجغرافيا، ليست مجرد صراع على نفوذ سياسي أو ثروات طاقية، بل هي استحضار لكرونولوجيا الصراع التاريخي بين الفرس والعرب، وهو الصراع الذي لم يتوقف منذ القادسية الأولى وصولا إلى صراعات النفوذ الإقليمي المعاصرة. 

وعلى مدى عقود طويلة من التاريخ، اتخذ هذا التنافس طابعا مذهبيا معقدا أضاف طبقات من الحساسية التاريخية بين الفرس والعرب حيث تحول الخلاف العقائدي إلى أداة جيوسياسية فعّالة، أدت في النهاية إلى خلق شرخ في بنية المنطقة، استغلته القوى الدولية لتكريس مصالحها.وفي خضم هذه التحولات، تكشف الأحداث الأخيرة أن الخيارات التي تبنتها دول الخليج طوال عقود، والمتمثلة في "الإغراق في الثقة" بالولايات المتحدة الأمريكية كضامن وحيد للأمن من "العدو" الافتراضي، سواء كانت طهران أو تل أبيب، كانت خطأً استراتيجياً قاتلا.

 لقد أثبتت الحرب الوجودية الحالية لدول الخليج، أن واشنطن تضع أمن إسرائيل فوق أي اعتبار، حتى لو كان ذلك على حساب استقرار حلفائها العرب وأمنهم القومي، كما تضع طهران مستقبلها الوجودي أولوية على أي جوار مهما بلغ امتداده التاريخي.

 إنه درس بليغ في أن الارتهان للوعود الأمريكية المتقلبة بـ"الأمن" أو ضمانات طهران بـ"حسن الجوار" جعل دول الخليج في حالة انكشاف استراتيجي، حيث تبين لها عند الضرورة أن القواعد العسكرية الأمريكية، والاتفاقيات الأمنية لم تكن تهدف لحمايتها بقدر ما كانت تهدف لتأمين تدفق مصالح واشنطن وتثبيت الهيمنة الإسرائيلية، كما أن التشابك الأمني والاقتصادي مع طهران لم يكن ليخفي طموحها التاريخي في فرض سيطرتها على المنطقة، وإخضاع دولها لمنطق القوة.

ومع تطور هذه الحرب التي عرّت الكثير مما كان بمثابة "المسلمات" عند العرب في علاقتهم بواشنطن وطهران، يتضح أن العائق الجوهري أمام تطوير رؤية استراتيجية خليجية مستقلة يكمن في بنية التفكير السائدة، والتي لا تزال في جوهرها "بنية قبلية" لم تنجح في التحول الكامل نحو مفهوم "الدولة المدنية" المؤسساتية الحديثة.

 فما زالت القرارات الكبرى في الكثير من هذه الدول تخضع لحسابات الحساسيات القبلية والخلافات الصغيرة التي تعود لعقود، وربما قرون، مرتبطة بتكوينات العائلات الحاكمة أكثر من ارتباطها بمستقبل الشعوب واحتياجاتها التنموية، وهذا النمط من "الحكم القبلي" يُعقد عملية بناء فكر استراتيجي عابر للأجيال، ويجعل الدول الخليجية تتناحر فيما بينها على قضايا ثانوية، بينما تغفل عن التهديدات الكبرى التي تستهدف وجودها الجمعي.

اليوم، ومع هذه التجربة المريرة لصواريخ طهران وهي تنزل على العواصم الخليجية تباعا، وتدمر اقتصادها، وترعب شعبها، وتكسر أمنها، حيث بقيت واشنطن تحمي حليفها إسرائيل وتركت دول الخليج فريسة سهلة للعدوان الإيراني، حان الوقت لتصل العواصم الخليجية إلى يقين مطلق بضرورة مراجعة وجود القواعد العسكرية الأجنبية على أراضيها بعد أن قُدمت هذه القواعد يوما كدرع حصين، قبل أن تثبت التجربة أنها كانت عبئا ثقيلا في اللحظات الحاسمة، بل تحولت في بعض الأحيان إلى أداة ضغط ضد الدول المستضيفة.

الحقيقة التي ربما وصلت لها دول الخليج، هي ضرورة التفاوض مع واشنطن، بعد انتهاء الحرب، على إنهاء وجودها العسكري في المنطقة، وهي الخطوة الأولى نحو استعادة السيادة الحقيقية، وإعادة ترتيب أمنها القومي المشترك من خلال صياغة "عقد أمني وإقليمي" جديد يعتمد على الواقعية السياسية، بما يتضمن الجلوس مع إيران للوصول إلى نقاط التقاء تضمن الأمن القومي للجميع بعيدا عن حسابات واشنطن، وفوضى إسرائيل.

وطريق دول الخليج إلى المستقبل يمر عبر تجاوز "الحساسيات التاريخية" والجلوس على طاولة المفاوضات لحل الخلافات العربية-العربية بجرأة وشجاعة، تماما كما فعلت أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية حين حولت عداءها التاريخي إلى أكبر تكتل اقتصادي وسياسي في العالم.

فمستقبل الخليج والمنطقة يكمن في تشكيل "سوق اقتصادية وسياسية وعسكرية موحدة"، تكون قادرة على فرض شروطها في المعادلة الدولية، لأن القوى المتحكمة في القرارات المصيرية في العالم لا تحترم إلا الكيانات القوية والموحدة.

دول الخليج، اليوم، أمام خيارين لا ثالث لهما بعد نهاية هذه الحرب، إما أن تمتلك الشجاعة لصناعة مستقبلها بأيدي أبنائها عبر تحول مؤسساتي حقيقي وترابط إقليمي رصين، وإما أن تظل رهينة لخيارات تُطبخ في دوائر القرار خارج مجالسا، والتاريخ لا يرحم من يغفل عن دروسه، واللحظة الراهنة هي اللحظة الحاسمة لتقرير ما إذا كان الخليج سيكون قطبا مؤثرا في النظام العالمي الجديد، أم مجرد ساحة لتصفية حسابات الآخرين.

The comments are closed in this post

دُول الخليج.. المصير المرّ

تأتي الحرب الدائرة في الشرق الأوسط بين المثلث المكون من إسرائيل والولايات المتحدة وإيران لتقدم درسا تاريخيا قاسيا وعميقا، يعيد تذكير العرب بأن صراعات الحاضر ليست إلا امتدادا لمواجهات أزلية ...

استطلاع رأي

هل تتوقع أن تخسر إيران الحرب ضد الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل؟

Loading...