رغم تراجع الجريمة بداية 2025.. النشل والأسلحة البيضاء يبقيان برشلونة تحت ضغط "انعدام الأمن"
رغم المؤشرات الرسمية التي تؤكد تراجع معدلات الجريمة في مدينة برشلونة خلال النصف الأول من سنة 2025، فإن العاصمة الكتالونية ما تزال تواجه تحديا متزايدا يتمثل في استمرار الشعور بانعدام الأمن لدى السكان والسياح، في مفارقة أصبحت محور اهتمام الصحافة الإسبانية والدولية، التي ترى أن تحسن الأرقام لم ينعكس بعد على الإحساس العام بالأمان داخل المدينة.
ووفق أحدث المعطيات الرسمية الصادرة عن السلطات الأمنية في برشلونة، انخفض إجمالي الجرائم المسجلة خلال الأشهر الستة الأولى من سنة 2025 بنسبة 8.8 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من سنة 2024، في استمرار للمنحى التنازلي الذي بدأ العام الماضي، بعدما سجلت المدينة أيضا انخفاضا في إجمالي الجرائم خلال سنة 2024 مقارنة بعام 2023.
كما تراجعت جرائم النشل، التي تمثل أبرز مظاهر الجريمة المرتبطة بالنشاط السياحي في برشلونة، بنسبة 6.8 في المائة لتستقر عند 44 ألفاً و332 حالة، وهو أدنى مستوى تسجله المدينة منذ ما يقارب عقدا كاملا، باستثناء فترة جائحة كورونا التي شهدت تراجعا استثنائيا في الحركة السياحية.
ورغم هذا الانخفاض، فإن جرائم الاعتداء على الممتلكات ما تزال تشكل العمود الفقري للجريمة في برشلونة، إذ تمثل نحو 85 في المائة من مجموع الجرائم المسجلة، مقابل نحو 9 في المائة فقط للجرائم المرتكبة ضد الأشخاص.
ويعني ذلك أن النشل، وسرقة الهواتف المحمولة، والحقائب، والمحافظ، ما تزال تمثل التهديد الأمني الأول داخل المدينة، خصوصا في المناطق الأكثر استقطابا للسياح مثل شارع "لا رامبلا"، والحي القوطي، ومحيط كنيسة "ساغرادا فاميليا"، ومحطات المترو، والشواطئ.
غير أن الجانب الأكثر إثارة للقلق لا يتعلق بالأرقام الإجمالية، بل بطبيعة بعض الجرائم العنيفة التي سجلت ارتفاعا خلال السنة الجارية. فقد ارتفعت حوادث استعمال الأسلحة البيضاء بنسبة 38.3 في المائة، كما سجلت بعض جرائم الاعتداء والإصابات منحى تصاعديا، وهو ما يفسر استمرار الإحساس بانعدام الأمن، رغم التحسن الواضح في المؤشرات الإحصائية.
وتظهر البيانات الرسمية أيضا تحسنا محدودا في "مؤشر الضحية"، الذي يقيس نسبة الأشخاص الذين تعرضوا لجريمة خلال السنة، إذ انخفض إلى 28.6 في المائة. ومعنى ذلك أن أقل من ثلاثة من كل عشرة من سكان المدينة أفادوا بتعرضهم لواقعة إجرامية، إلا أن هذه النسبة تظل مرتفعة مقارنة بعدد من المدن الأوروبية الكبرى، ما يعكس استمرار الضغط الأمني الذي تعيشه برشلونة.
وتوقفت الصحافة الإسبانية والبريطانية عند هذه المفارقة، معتبرة أن المدينة أصبحت تعيش فجوة واضحة بين المؤشرات الرسمية والانطباع العام لدى المواطنين والزوار.
فقد ركزت تقارير إعلامية على أن التراجع الإحصائي لم ينجح في تغيير الصورة الذهنية التي ترسخت خلال السنوات الأخيرة، نتيجة تكرار حوادث النشل في المناطق السياحية، وعودة عدد من الجانحين المتكررين إلى ارتكاب الجرائم بعد توقيفهم، فضلا عن التغطية الإعلامية الواسعة لحوادث الطعن والاعتداء بالأسلحة البيضاء.
ولا تنفرد برشلونة بهذا التحدي، إذ تواجه باريس بدورها انتشارا ملحوظا لجرائم النشل في محطات المترو والمواقع السياحية الكبرى، بينما تعاني لندن بصورة أكبر من ظاهرة سرقة الهواتف المحمولة والخطف السريع في الشوارع باستخدام الدراجات النارية أو الكهربائية.
غير أن خصوصية برشلونة تكمن في أن النشل ظل لسنوات طويلة مرتبطا بصورة المدينة السياحية، حتى أصبح جزءاً من التحذيرات التي تصدرها العديد من الحكومات الأجنبية لرعاياها قبل السفر إليها.
ويرى متابعون أن نجاح سلطات برشلونة في خفض معدلات الجريمة خلال العامين الأخيرين يمثل مؤشرا إيجابيا على فعالية الخطط الأمنية الجديدة، غير أن التحدي الحقيقي لم يعد يقتصر على تحسين الإحصائيات، بل يتمثل في استعادة ثقة السكان والزوار، وتقليص الشعور بانعدام الأمن الذي ما يزال يلقي بظلاله على واحدة من أكثر المدن الأوروبية استقطاباً للسياح.
وبينما تؤكد السلطات أن النتائج الحالية تعكس بداية تحول إيجابي، يرى خبراء في الأمن الحضري أن استمرار ملاحقة شبكات النشل، وتشديد العقوبات على الجانحين متعددي السوابق، وتعزيز الحضور الأمني في المناطق السياحية، ستظل عوامل حاسمة إذا أرادت برشلونة أن تطوي نهائيا الصورة التي لازمتها خلال السنوات الأخيرة باعتبارها إحدى أكثر المدن الأوروبية ارتباطا بجرائم النشل والسرقات الصغيرة.




