رغم 40 مليار درهم من تحويلات الجالية.. الاستثمارات الأجنبية تتراجع والعجز التجاري يقفز إلى 127 مليار درهم
سجلت الاستثمارات الأجنبية المباشرة الوافدة إلى المغرب تراجعا لافتا خلال الأشهر الأربعة الأولى من سنة 2026، في مؤشر يثير الانتباه وسط سلسلة من الأرقام الإيجابية التي حققتها قطاعات أخرى مثل السياحة وتحويلات مغاربة العالم وصادرات السيارات والطيران، ويضع قدرة الاقتصاد الوطني على الحفاظ على جاذبيته الاستثمارية في ظرفية دولية تتسم بتزايد المنافسة على الرساميل الأجنبية وارتفاع منسوب عدم اليقين الاقتصادي عالميا في وضعية مساءلة.
وأظهرت المعطيات الصادرة عن مكتب الصرف أن صافي تدفقات الاستثمارات الأجنبية المباشرة تراجع بنسبة 10,1 في المائة عند متم أبريل 2026 ليستقر في حدود 11,65 مليار درهم، في وقت كان فيه المغرب يراهن على استثمار الزخم الذي حققته المملكة خلال السنوات الأخيرة في مجال استقطاب الاستثمارات الصناعية الكبرى، خاصة في قطاعات السيارات والطيران والطاقات المتجددة.
ويكتسي هذا التراجع أهمية خاصة لأنه يأتي في مرحلة ترفع فيها الحكومة سقف رهاناتها على الاستثمار الخاص سواء الوطني أو الأجنبي، باعتباره المحرك الأساسي للنمو الاقتصادي وخلق مناصب الشغل خلال العقد المقبل. فالميثاق الجديد للاستثمار الذي أطلقته المملكة وضع هدفا واضحا يتمثل في رفع حصة الاستثمار الخاص إلى ثلثي الاستثمار الإجمالي في أفق السنوات المقبلة، مع استقطاب مشاريع أجنبية كبرى قادرة على تعزيز النسيج الصناعي الوطني وتحويل المغرب إلى منصة إقليمية للإنتاج والتصدير.
غير أن أرقام مكتب الصرف تكشف أن تدفقات الرساميل الأجنبية لم تحافظ على الوتيرة نفسها المسجلة خلال الفترة ذاتها من السنة الماضية، إذ تراجعت المداخيل المرتبطة بالاستثمارات الأجنبية المباشرة بنسبة 19,6 في المائة وهو ما يعني عمليا أن الأموال الجديدة المتدفقة نحو الاقتصاد الوطني كانت أقل من تلك المسجلة قبل سنة فيما ورغم أن النفقات المرتبطة بهذه الاستثمارات انخفضت بدورها بنسبة 37,2 في المائة إلا أن ذلك لم يمنع الرصيد الصافي من التراجع بأكثر من عشرة في المائة.
ويأتي هذا التطور في سياق دولي شديد التعقيد، فخلال السنوات الأخيرة، أصبحت حركة الاستثمارات الأجنبية أكثر حساسية تجاه التوترات الجيوسياسية وارتفاع أسعار الفائدة وتباطؤ النمو الاقتصادي في عدد من الأسواق الكبرى، وهو ما دفع العديد من الشركات متعددة الجنسيات إلى إعادة النظر في خططها التوسعية أو تأجيل مشاريع استثمارية جديدة كما أن المنافسة بين الدول على جذب الرساميل الأجنبية أصبحت أكثر حدة من أي وقت مضى، خصوصا في منطقة البحر الأبيض المتوسط وإفريقيا حيث تتسابق الحكومات على تقديم حوافز ضريبية ومالية وصناعية لاستقطاب المستثمرين.
وإذا كان تراجع الاستثمارات الأجنبية يشكل أحد أبرز المؤشرات السلبية في التقرير، فإن المفارقة تكمن في أن الاقتصاد المغربي أظهر في المقابل قدرة كبيرة على توليد العملة الصعبة من مصادر أخرى فقد واصل المغاربة المقيمون بالخارج لعب دور "صمام الأمان" بالنسبة للتوازنات المالية للمملكة بعدما ضخوا ما يقارب 40 مليار درهم من التحويلات خلال أربعة أشهر فقط مسجلين ارتفاعا بنسبة 9,8 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من السنة الماضية.
كما واصلت السياحة تأكيد موقعها كأحد أعمدة الاقتصاد الوطني، بعدما حقق ميزان الأسفار فائضا تجاوز 34,55 مليار درهم، مدعوما بارتفاع المداخيل السياحية إلى 44,39 مليار درهم، وهو ما يعكس استمرار جاذبية الوجهة المغربية وقدرتها على استقطاب أعداد متزايدة من الزوار الأجانب.
لكن هذه المؤشرات الإيجابية لم تكن كافية لإخفاء ضغوط أخرى تتعرض لها المبادلات الخارجية للمملكة، فقد ارتفع العجز التجاري إلى أكثر من 127 مليار درهم خلال الأشهر الأربعة الأولى من السنة، بزيادة بلغت 18,4 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي بعدما ارتفعت الواردات بوتيرة أسرع من الصادرات.
وكشفت الأرقام أن واردات المغرب بلغت 295,9 مليار درهم، بزيادة قدرها 12,7 في المائة مدفوعة بالارتفاع الكبير في استيراد المواد الخام ومنتجات التجهيز والسلع الاستهلاكية، ففي الوقت الذي قفزت فيه واردات المواد الخام بنسبة 48,8 في المائة، ارتفعت واردات معدات التجهيز بنسبة 21,8 في المائة، كما زادت واردات المنتجات الجاهزة للاستهلاك بنسبة 15,2 في المائة.
وفي المقابل، ورغم الأداء القوي لبعض القطاعات التصديرية لم تنجح الصادرات المغربية في مواكبة النسق نفسه صحيح أن صادرات السيارات واصلت تحطيم الأرقام القياسية بعدما بلغت 58,28 مليار درهم بنمو ناهز 18,6 في المائة، كما عزز قطاع الطيران صادراته إلى أكثر من 11 مليار درهم إلا أن تراجع قطاعات أخرى مثل الفوسفاط ومشتقاته والنسيج والإلكترونيات حد من قدرة الصادرات على تقليص الفجوة التجارية.
وفي خضم هذه المعطيات، برز تطور آخر لا يقل أهمية ويتمثل في ارتفاع الاستثمارات المغربية المباشرة بالخارج بنسبة 41,9 في المائة لتتجاوز 3,46 مليار درهم ويعكس هذا الرقم تنامي طموحات الشركات المغربية خارج الحدود الوطنية، لكنه يسلط الضوء أيضا على مفارقة اقتصادية تتمثل في أن الرساميل المغربية تتجه بوتيرة متسارعة نحو الأسواق الخارجية في الوقت الذي تتراجع فيه الاستثمارات الأجنبية الوافدة إلى المملكة.
وبالنظر إلى مجمل هذه المؤشرات، يبدو أن الاقتصاد المغربي يعيش وضعية مزدوجة، فمن جهة تواصل المملكة تعزيز موقعها كقوة صناعية وتصديرية إقليمية بفضل السيارات والطيران والسياحة وتحويلات الجالية، ومن جهة أخرى تواجه تحديات حقيقية مرتبطة بجذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية والحفاظ على توازن المبادلات التجارية.




