زهير حميدوش
الأثنين 6 يوليوز 2026 - 16:11

رقابة المجلس الأعلى للحسابات على حساب ودائع المحامين.. هل تجاوز المشرع حدود الفصل 147 من الدستور؟

في النقاش الذي أثاره إخضاع حساب ودائع وأداءات المحامين لرقابة المجلس الأعلى للحسابات، انصرف الجدل، في معظمه، إلى مدى وجاهة إخضاع هذه الأموال للرقابة. غير أن هذا المسار يحجب جوهر المسألة. فالنقاش لا يتعلق بالرقابة في ذاتها، وإنما بالجهة التي يخولها الدستور، دون غيرها، ممارستها.

ولا يستقيم الجواب عن هذه المسألة بالاحتكام إلى الحاجة إلى الرقابة، لأن الحاجة لا تنشئ اختصاصا. فالاختصاص سابق على مباشرته، ولا يستمد سنده من الغاية التي يتوخاها، وإنما من السند الدستوري الذي يؤسسه. لذلك، لا يكون مدار البحث في أهمية الرقابة، وإنما في مصدر الولاية.

إن الفصل 147 من الدستور لا يحدد اختصاصات المجلس الأعلى للحسابات فحسب، بل يرسم حدود ولايته. فالدستور لم يعرف المجلس باعتباره هيئة عليا لمراقبة الأموال، وإنما هيئة عليا لمراقبة المالية العمومية. وهذا التوصيف ليس لغويا ولا عرضيا، بل هو القيد الذي يمنح الاختصاص معناه وحدوده في آن واحد. فليس كل مال يدخل في ولاية المجلس، وإنما المال الذي يكتسب طبيعته من اتصاله بالمجال العام، أو بالجهات التي عددها الدستور على سبيل التحديد.

ومن ثم، فإن مدار النقاش لا يتعلق بحساب الودائع في ذاته، وإنما بالانتقال الذي يحدثه النص من رقابة على المال العام إلى رقابة على أموال خاصة تديرها هيئة مهنية مستقلة. فهذا الانتقال لا يمثل مجرد تفصيل تشريعي، وإنما يمتد إلى المجال الموضوعي للاختصاص.

وقد يقال إن سكوت الدستور عن هذه الحالة يترك للمشرع سلطة إدراجها ضمن ولاية المجلس الأعلى للحسابات. غير أن هذا التصور يفترض أن المجال الذي رسمه الدستور لاختصاص المجلس يقبل الإضافة بقانون عادي. والحال أن الدستور، متى أراد أن يعهد إلى القانون ببيان شروط ممارسة اختصاص أو كيفياته، أفصح عن ذلك بنص صريح. أما إلحاق مجال جديد بولاية هيئة دستورية، فلا يندرج، بطبيعته، ضمن هذا الإطار، لأنه لا يتعلق بكيفية مباشرة اختصاص قائم، وإنما بامتداده إلى مجال لم يرد به مقتضى دستوري.

ولا يكتمل فهم هذا المقتضى بمعزل عن السياق الذي أفرزه. فمن الصعب قراءته خارج التوتر الذي طبع علاقة السلطة الحكومية بهيئات المحامين، وهو توتر لم يقتصر على إدارة الخلاف، بل ألقى بظلاله على فلسفة التشريع ذاتها. فالنصوص، في نهاية المطاف، لا تولد في فراغ، بل تحمل، في كثير من الأحيان، آثار السياقات التي صاحبت تشكلها.

الآراء الواردة في مقالات الرأي تعبر عن مواقف كاتبيها وليس على الخط التحريري لمؤسسة الصحيفة
The comments are closed in this post

كيف يهين النظام الجزائري ذاكرة شهدائه؟

في التاريخ، لم تكن الأنظمة السلطوية تكتفي بإدارة السياسة أو الاقتصاد، بل كانت تدرك أن السيطرة الحقيقية تبدأ عندما تنجح في إدارة الوعي الجماعي. ولهذا لم يكن غريبا أن يقول ...

استطلاع رأي

هل تتوقع أن تخسر إيران الحرب ضد الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل؟

Loading...