روسيا التي تواجه تراجعا حادا في صادرات الوقود تستقبل شحنات متتالية عبر طنجة المتوسط.. مسار تجاري يتوسع مع اقتراب اجتماع مجلس الأمن حول الصحراء
لم يعد ميناء طنجة المتوسط مجرد نقطة عبور رئيسية في حركة التجارة الدولية، بل بات يظهر أيضا في مسار جديد فرضته الاضطرابات التي يعيشها قطاع الوقود الروسي، بعدما سجلت بيانات تتبع الشحنات وصول كميات متتالية من المنتجات النفطية المكررة إلى روسيا انطلاقا من الميناء المغربي، في وقت تواجه فيه موسكو ضغوطا متزايدة على قدراتها في مجال التكرير وتراجعا حادا في صادرات بعض أنواع الوقود.
وفي أحدث المعطيات التي نشرتها منصات إقتصادية روسية متخصصة، استوردت موسكو نحو 40 ألف طن من المنتجات النفطية المكررة غير المحددة من طنجة المتوسط للأسبوع الثاني على التوالي، وفق بيانات شركة "إس أند بي غلوبال كوموديتيز "، وهي الشحنات التي تأتي في ظرف استثنائي بالنسبة إلى سوق الوقود الروسية.
وبحسب البيانات المنشورة فقد تراجعت صادرات الديزل من الموانئ الروسية على البحر الأسود إلى الصفر خلال الأسبوع الأخير في شهر شتنبر، للمرة الأولى وفق سلسلة البيانات التي تتوفر عليها الشركة المذكورة، بينما انخفض إجمالي صادرات الديزل وزيت الغاز الروسية خلال الفترة نفسها إلى نحو 81 ألف طن، مقارنة بـ448 ألف طن منذ بداية شتنبر، و535 ألف طن في غشت، و713 ألف طن في يوليوز، حيث ربط المصدر ذاته هذا التراجع باستمرار القيود الروسية على الصادرات، إضافة إلى الاضطرابات التي أصابت عددا من المصافي الروسية إثر هجمات بطائرات مسيرة أوكرانية.
واللافت في هذا التحول أن روسيا، التي تعد من كبار منتجي ومصدري النفط والمنتجات البترولية، وجدت نفسها خلال الأشهر الأخيرة تلجأ بصورة متزايدة إلى استيراد بعض أنواع الوقود لتغطية حاجات سوقها الداخلية، كما دفعت أزمة الإمدادات موسكو إلى الاستعانة بمصادر خارجية، من بينها كازاخستان وبيلاروسيا والهند، قبل أن يظهر المغرب ضمن مسارات الإمداد الجديدة.
وفي هذا السياق، لم تكن شحنات طنجة المتوسط الأخيرة معزولة عن مسار بدأ يتشكل منذ الصيف، فقد كشفت معطيات تتبع حركة السفن عن شحنة تقارب 30 ألف طن من البنزين حملتها ناقلة من طنجة المتوسط في يوليوز الماضي قبل أن تصل إلى ميناء مورمانسك الروسي، كما رصدت مصادر متخصصة في حركة النقل البحري شحنات أخرى من الوقود باتجاه الموانئ الروسية، لتنضاف إليها شحنة شتنبر التي توجهت بدورها نحو مورمانسك انطلاقا من طنجة المتوسط وعلى متنها نحو 40 ألف طن من الوقود.
وتذهب مصادر متخصصة في تحليل حركة السفن إلى أبعد من ذلك، إذ قالت إن منشأة لتخزين المنتجات النفطية في طنجة المتوسط، تبلغ طاقتها نحو 3.35 ملايين برميل، استقبلت بين يناير وغشت قرابة مليون برميل من البنزين قادمة من إسبانيا وهولندا وقبرص وإيطاليا والمملكة المتحدة، بينما غادرت نحو مليون برميل إلى روسيا خلال يونيو ويوليوز، مع وجود نحو نصف مليون برميل أخرى في الطريق إلى روسيا.
ويبرز ميناء طنجة المتوسط في هذه المرحلة باعتباره حلقة لوجستية تربط بين أسواق مختلفة في وقت أصبحت فيه خريطة تجارة الوقود الروسية أكثر تعقيدا بفعل الحرب والقيود على الصادرات واضطرابات قطاع التكرير، لكن أهمية هذا المسار لا تقتصر على الجانب التجاري وحده، إذ يأتي في توقيت تتقاطع فيه المصالح الاقتصادية المغربية الروسية مع محطة سياسية وأممية دقيقة تتعلق بملف الصحراء، الذي يعود خلال أكتوبر إلى صدارة جدول أعمال مجلس الأمن مع اقتراب موعد انتهاء الولاية الحالية لبعثة المينورسو في 31 أكتوبر.
وفي الخلفية يقف القرار الأممي رقم 2797 الذي اعتمده مجلس الأمن في 31 أكتوبر 2025، والذي مدد ولاية المينورسو إلى نهاية أكتوبر 2026، ودعا إلى مواصلة المفاوضات على أساس جهود الأمين العام ومبعوثه الشخصي، مع الإشارة إلى مقترح الحكم الذاتي المغربي باعتباره أساسا للمفاوضات في الصيغة التي تضمنها القرار، كما طلب القرار إجراء مراجعة استراتيجية لمستقبل مهمة المينورسو، في ضوء تطورات المسار السياسي ونتائج المفاوضات.
وفي هذه النقطة تحديدا، يبرز الدور الروسي باعتباره عاملا لا يمكن تجاهله عند قراءة المشهد المقبل، ليس فقط لأن موسكو عضو دائم في مجلس الأمن وتمتلك حق النقض، وإنما أيضا بالنظر إلى الطريقة التي تعاملت بها مع القرار رقم 2797.
فرغم أن روسيا لم تصوت لصالح القرار، إلا ان امتناعها عن التصويت، إلى جانب الصين وباكستان، وعدم استخدامها حق النقض الذي تتمتع به باعتبارها عضوا دائما في مجلس الأمن، كان في حد ذاته موقفا إيجابيا بالنسبة إلى الرباط من الناحية العملية، إذ ساهم في تمرير القرار بأغلبية 11 صوتا ومن دون أي صوت معارض.
ويعكس هذا الموقف جانبا من البراغماتية التي طبعت تعامل الدبلوماسية المغربية مع موسكو، والتي حرصت على إبقاء قنوات التواصل والمصالح المشتركة مفتوحة بعيدا عن منطق الاصطفاف الحاد، وهو ما أتاح للرباط الحفاظ على هامش من التفاهم مع قوة دولية تملك القدرة على التأثير المباشر في مسار القرارات المرتبطة بملف الصحراء.




