"سانلام" تُعوض "سَهام" في سوق التأمينات المغربي.. قصّة إقبار اسم ارتبط بالفضائح لفتح الباب أمام تطبيع اقتصادي مع جنوب إفريقيا

وضعت جنوب إفريقيا أقدامها في النسيج الاقتصادي المغربي عبر مجال التأمين، من خلال اقتنائها لأغلبية أسهم شركة "سهام" عبر المجموعة الجنوب إفريقية "سانلام"، التي لم تعد فقط فاعلا اقتصاديا جديدا في المملكة، وإنما أيضا عنوان للقطيعة مع فضائح سابقاتها، وعنوانا لنوع من أنواع التطبيع بين الرباط وبريتوريا، العاصمتان اللتان لا يسود بينها الكثير من الود بسبب قضية الصحراء.

وأعلنت "سهام" الخميس الماضي أنها ستُغير اسمها إلى "سنلام" لتصبح حاملة لاسم الشركة الجنوب إفريقية التي تملك أغلبية أسهمها، وذلك بعدما أصبحت رسميا جزءا من المجموعة، وفق ما جرى إعلانه بالدار البيضاء، مُغيرة أيضا هويتها البصرية لتصبح موحدة مع جميع فروع المجموعة الناشطة في مجموعة من بلدان القارة السمراء، وهو الأمر الذي أطلقته عبر حملة إعلانية مكثفة تبتغي إعادة العلامة إلى صدارة مشهد شركات التأمين في المغرب وهي التي تضرر اسمها خلال السنوات الأخيرة.

عودة إلى فضيحة بوسعيد

وتعيد هذه الخطوة إلى الأذهان قضية الـ450 التي ضاعت على خزينة الدولة سنة 2018، عندما قام مالك "سهام فينونس" حفيظ العلمي ببيع 53 في المائة من أسهم المؤسسة لمجموعة "سانلام" من جنوب إفريقيا نظير 1,05 ٍمليار دولار، وهو الأمر الذي كان ليبدو عاديا لولا معلومات برزت في قانون المالية للسنة نفسها حيث تضمن بندا يتعلق بإعفاء عمليات تفويت الأسهم من رسوم التسجيل، بمبرر "تشجيع الاستثمارات الأجنبية وتعزيز رأس مال الشركات الأجنبية".

وظهرت حينها معلومات تتحدث عن أن وزير الاقتصاد والمالية آنذاك، محمد بوسعيد، قد ضمَّن مشروع القانون هذا البند خصيصا من أجل ضمان إعفاء زميله في حزب التجمع الوطني للأحرار وفي الحكومة، حفيظ العلمي، الذي كان وزيرا للصناعة والاستثمار والتجارة والاقتصاد الرقمي، من رسوم التسجيل الخاصة بعملية بيع الأسهم، والتي كان يحددها القانون في 5 في المائة، وهم ما يعني أنه كان يجب أن يدفع ما يقارب 450 مليون درهم للخزينة العامة للدولة.

غضب من القصر الملكي

وتسبب سيناريو هذه الصفقة في هزة كبيرة داخل الحكومة، خاصة بعد تواتر أنباء عن أن القصر الملكي بدوره لم يكن على علم بهذه "التخريجة" التي ابتكرها بوسعيد لفائدة العلمي، الأمر الذي فَسر حينها التعثر الذي شهدته الصفقة، خاصة وأن الأمر ارتبط بشركة من جنوب إفريقيا البلد الذي يناصب المغرب الخصومة بخصوص قضية الوحدة الترابية، الأمر الذي برز بقوة من خلال تصريح لأحد أبرز الفاعلين الاقتصاديين في المملكة، وهو عثمان بن جلون، الرئيس المدير العام لبنك إفريقيا.

وزير المالية السابق بوسعيد رفقة حفيظ العلمي المالك السابق لأغلبية أسهم شركة التأمين "سهام"

ولم يطل الأمر كثيرا قبل أن يتأكد وجود غضبة ملكية حقيقية تجاه ما جرى، عندما صدر عن الديوان الملكي بلاغ يعلن إعفاء بوسعيد من منصبه الحكومي، مرفوقا بتأكيد لذلك يقول إن هذا القرار "يأتي في إطار تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، الذي يحرص الملك على أن يطبقه على جميع المسؤولين مهما بلغت درجاتهم وكيفما كانت انتماءاتهم".

صفقة مع خصم إفريقي

وبالعودة إلى تصريحات بنجلون، الذي نشرتها وكالة "بلومبرغ" في أبريل من سنة 2019، يتضح أن صفقة بيع "سهام" لـ"سانلام" لم تكن  قرارا اقتصاديا فقط، بل إن السياسة دخلت على الخط بقوة باعتبار هوية الشركة المشتركة التي تتوفر على فروع في 12 بلدا إفريقيا، حيث قال الملياردير المغربي بشكل صريح إنه وقف ضد بيع أسهم مقاولة مغربية إلى مستثمرين "لديهم مواقف عدائية من القضية الوطنية للمملكة"، لأن الأمر لا يختلف في نظره "بين شركة للتأمين وبين المكتب الشريف للفوسفات".

والحقيقة هي أن هذه التصريحات أتت في فترة رفعت فيها جنوب إفريقيا حدة صراعها مع الرباط بسبب قضية الصحراء، فبعدها بأشهر، وتحديدا في أكتوبر من سنة 2020 نشر وزير المالية في بريتوريا، تيتو مبوويني، تغريدة على "تويتر" يدعو فيها جبهة "البوليساريو" الانفصالية إلى المرور لمرحلة "صراع الدم" مع المغرب، وفي نونبر من سنة 2021 قامت ناليدي باندور، وزيرة الخارجية الجنوب إفريقية، بما أسمته "زيارة إلى الجمهورية الصحراوية"، رغم أن استقبالها جرى في مخيمات تدوف على الأراضي الجزائرية.

إقبار للعنة "سَهام"

والملاحظ أن الأمر أضحى يتعلق حاليا بمحاولة "إقبار" للاسم السابق لشركة التأمين وسط كل هذه الفضائح، فـ"سهام" بدأت تتراجع إلى الوراء إلى أن انتهت إلى الأبد، في حين بدأت تبرز "سانلام" عبر حملة تسويقية ودعائية كبيرة، برزت من خلال الندوة الصحافية التي احتضنتها مدينة الدار البيضاء، والتي وعدت فيها الشركة بمرحلة جديدة من الخدمات شعارها "عِش مرتاح"، مستخدمة عبارات تدور في فلك الثقة، وكأنها تريد القطع نهائيا مع ماض فيه العديد من علامات الاستفهام.

يحيى الشرايبي المدير العام لـ"سانلام" المغرب

وترغب الشركة على طي صفحة الـ450 مليون درهم التي ظلت تطاردها إلى الحملة الانتخابية لاستحقاقات سنة 2021 حين أعادها إلى الواجهة عبد اللطيف وهبي بصفته الأمين العام لحزب الأصالة والمعاصرة، قبل أن يتحالف مع عزيز أخنوش ليصير وزيرا للعدل، في حين صدرت في الواجهة مديرا عاما جديدا هو يحيى الشرايبي، الذي دافع على الهوية البصرية الجديدة للشركة باعتبارها تأتي في إطار نشر علامة تجارية تحظى بالاعتراف والتقدير.

لعبة السياسة والمال

أما بخصوص جنوب إفريقيا، فإن الظرفية التي أتى فيها القبول النهائي بصفقة بيع أغلبية أسهم "سَهام"، يشي بأن الأمر له علاقة بمحاولات "التطبيع الاقتصادي" مع بلد يمثل قوة مالية وسياسية كبرى في إفريقيا، بالتزامن مع تطبيع دبلوماسي يحاول تجاوز الإكراهات التي فرضها الموقف الرسمي الداعم تاريخيا لجبهة "البوليساريو" من طرف الحكومات المتعاقبة، وهو الأمر الذي لا يمكن فصله عن تبادل السفراء بين البلدين إثر سنوات من القطيعة عمليا.

ففي 2019، أي في العام الموالي للصفقة، قدم الوزير المنتدب في الخارجية سابقا، يوسف العمراني، أوراق اعتماده كسفير مفوض فوق العادة للرباط في جنوب إفريقيا لرئيس البلاد سيريل رامافوسا، واصفا الأمر بأنه لحظة قوية"، ذلك أن السفارة المغربية ظلت بدون سفير لمدة 12 عاما، ورغم أنها فرغت بعد عامين آخرين مجددا، إلا أنه في الجهة المقابلة في يناير من سنة 2022 إبراهيم إدرايس الذي أصبح سفيرا لبريتوريا بالمملكة، في الوقت الذي كان يجري فيه التمهيد لأكبر حضور اقتصادي لجنوب إفريقيا بالمغرب.

الثلاثاء 18:00
غائم جزئي
C
°
22.41
الأربعاء
22.7
mostlycloudy
الخميس
22.58
mostlycloudy
الجمعة
23.49
mostlycloudy
السبت
23.78
mostlycloudy
الأحد
23.41
mostlycloudy