سعد الدين العثماني.. طبيبٌ نفسي ورجل فقهٍ يَرأس الحكومة ويَعيش في "مَلكوت" آخر

عندما قال القيادي في حزب العدالة والتنمية، مصطفى الرميد، بعد إعفاء الملك محمد السادس لعبد الإله بن كيران من رئاسة الحكومة في مارس من سنة 2017، إنه لن "يكون ابن عرفة جديدا"، كان، عن غير قصد غالبا، يطلق على رئيس المجلس الوطني للحزب حينها هذا اللقب، لأن سعد الدين العثماني سيصبح هو الشخص الذي سيقع عليه اختيار العاهل المغربي لتكليفه بما عجز عنه سلفه، وضمنيا، كان مطالبا بإنهاء "البلوكاج الحكومي"، حتى ولو بشروط لا تضعه في موقف قوة.

ولم يكن إصرار البعض على ملاحقة العثماني بهذا اللقب من باب الاعتقاد بأنه "خائن لوطنه"، فهذا ما لم يثبت قط عن الطبيب النفسي ورجل الفقه المزداد سنة 1956 بإنزكان، ولا حتى لأنه "خان" سلفه ورفيق دربه الذي أقر فيما بعد علاقتهما أضحت باردة، ولكن هذا اللقب رافقه، حسب من يستعملونه، لأن شخصية العثماني في نظرهم، أبعد ما تكون عن تلك المطلوب توفرها لدى الرجل الثاني في الدولة.

وحتى بعد أن شارفت ولايته على الانتهاء، لا يزال العثماني في نظر الكثيرين هو الرجل الذي قد يكون "آخر من يعلم" في قضايا البلد الشائكة، والذي لا يتكلم حين يُتوقع منه الكلام، وإذا تكلم صار عُرضة للتندر، وهو أيضا شخصٌ تولى مسؤوليات أكبر منه فعَمَلُ الحكومة بالنسبة له ليس سوى "تحل الروبيني ينزل الما تحل الساروت ديال الضو يشعل الضو"، وهو الشخص الذي غمرته فرحة طفولية بعد أن صافح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

والمؤكد أن فريق العثماني الإعلامي، خاصة منه المكلف بحساباته على مواقع التواصل الاجتماعي كان سببا رئيسيا في ترسيخ انطباع حول رئيس الحكومة مفاده أنه شخص يعيش في "ملكوت" آخر، وإلا فكيف يمكن تفسير قيامه بمباركة اليوم الأول من رمضان للمغاربة في اليوم الثاني من الشهر، أو حين كتب "يبدو أن عناصر الأمن الوطني تمكنت بسرعة من إلقاء القبض على مرتكبي جريمة القتل بمراكش، ننتظر التأكيد النهائي من ولاية الأمن"، وكأنه هو نفسه غير مقتنع بمهامه وسلطته على رأس السلطة التنفيذية.

ومع ذلك، يجمع كثيرون بأن العثماني شخص غير محظوظ بمحيطه من السياسين الذين صار يقارن بهم قسرا، فهو جاء بعد ظاهرة خطابية تمثلت في عبد الإله بن كيران، الرجل الذي لم يتوقف عن صناعة الحدث حتى وهو خارج الحكومة بعيدا عن موقع القيادة في حزب العدالة والتنمية، والذي لم يكن، في مرات عديدة، رحيما برفيق دربه وهو يوجه إليه طلقاته الكلامية.

كما أنه غير محظوظ لأنه يقود حكومة مشتتة الأوصال يجد فيها حزب العدالة والتنمية وحده في مواجهة الوزير الأقوى، عزيز أخنوش، القابض على حقيبة تضم الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابة، وأيضا على تحالف يضم التجمع الوطني للأحرار والاتحاد الدستوري والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والحركة الشعبية.

ثم بعد هذا وذاك، كان قدَر الرجل أن يواجه ملفات شديدة الصعوبة والحساسية، فبمجرد أن شكل حكومته وجد نفسه أمام مأزق حراك الريف الذي أدى إلى غضبة ملكية جراء ما ورد في تقرير المجلس الأعلى للحسابات بخصوص مشروع "الحسيمة منارة المتوسط"، والتي أطاحت بـ4 من وزرائه، ثم توالت الأزمات في عهده إلى أن وصل الأمر إلى جائحة كورونا التي خلفت أزمة اقتصادية واجتماعية غير مسبوقة، جعلته يتخذ قرارات قاسية حولت إلى المغضوب عليه الأول من لدن قطاع واسع من المغاربة.

 وحتى داخل "البيجيدي"، وجد العثماني نفسه مجبرا على قيادة حزب أضحى أقرب ما يكون إلى التفكك، وتمايز فيه تياران على الأقل، الأول داعم له والثاني داعم لابن كيران، الأمر الذي اتضحت تجلياته خلال التحضير لانتخابات 2021، حينما رفضت برلمانيون بارزون الترشح في لمجلس النواب، مثل عبد العزيز أفتاتي وآمنة ماء العينين ومحمد خيي، وطبعا عبد الإله بن كيران الذي اختفى نهائيا، على عكس المألوف، من حملات حزب "المصباح".

واليوم، يتساءل كثيرون ما إذا كان المغرب يحتاج إلى رجل بمواصفات العثماني لقيادة الحكومة لولاية ثانية أم أن صفحته التي فُتحت على مضد في 2017 ستُطوى إلى الأبد بحلوها ومرها وسخريتها، وهو خيار يرى مساندون للرجل ومعارضوه على حد سواء أنه قد يكون رحمة له ولحزبه وللعمل الحكومي.

الخميس 15:00
غائم جزئي
C
°
30.36
الجمعة
27.17
mostlycloudy
السبت
25.32
mostlycloudy
الأحد
24.04
mostlycloudy
الأثنين
22.88
mostlycloudy
الثلاثاء
22.38
mostlycloudy