سياسات التصعيد في الجوار المغاربي.. من يربح ومن يخسر؟
في منطقة يفترض أن يوحّدها الجوار والتاريخ والمصالح المشتركة، تتحول العلاقات أحيانا إلى ساحة توتر دائم تُدار فيها الخلافات بمنطق التعبئة لا بمنطق السياسة.
هذا ما ظهر بوضوح في التفاعلات التي رافقت آخر كأس إفريقيا للأمم، حيث خرج الخطاب في الجزائر من إطار التنافس الرياضي إلى منسوب تعبوي حاد، استُخدمت فيه مفردات الصراع والاتهام وصناعة الخصم الخارجي.
انه ليس مجرد انفعال جماهيري عابر، بل مرآة لأسلوب أعمق في إدارة السردية العامة: تحويل كل حدث قابل للتأويل إلى وقود لشحن داخلي ممنهج. ومن هنا يصبح الربط ضروري بين لحظة رياضية مشحونة وبين نمط سياسي قائم على تثبيت التوتر وإعادة إنتاج صورة “العدو”، وهو ما يحاول هذا المقال تفكيكه وقراءته في سياقه البنيوي.
تعيش العلاقات المغربية-الجزائرية منذ عقود على إيقاع شد وجذب لا يهدأ، تتخلله فترات صمت بارد أكثر مما يعرف انفراجات حقيقية. فالجغرافيا التي فرضت على البلدين جوار لا فكاك منه، لم تُنتج سياسة حسن جوار بل تحولت إلى عبء استراتيجي تُدار تداعياته بمنطق الأمن والذاكرة التاريخية، أكثر مما تدار بمنطق المصالح المستقبلية. ومع التوترات الحالية، يبدو أن الخلاف تجاوز مستواه الدبلوماسي التقليدي، لينزلق نحو مستويات نفسية واجتماعية أشد خطورة.
لا يمكن فهم هذا التوتر دون العودة إلى منطق الدولة-الأمة في المغرب والجزائر، حيث تداخلت سرديات الشرعية التاريخية مع حسابات الأمن القومي. فالمغرب بنى مقاربته الإقليمية على الاستمرارية التاريخية والاندماج الاقتصادي والانفتاح، بينما تشكّلت السياسة الخارجية الجزائرية في رحم تجربة تحررية جعلت من الصراع أداة لتثبيت الشرعية وإعادة إنتاج التماسك الداخلي. ومع مرور الزمن، تحوّل الخلاف من ملف سياسي قابل للتفاوض إلى عنصر بنيوي في الخطاب الرسمي، يُستدعى كلما احتاجت السلطة إلى تعبئة داخلية أو صرف الأنظار عن أزمات بنيوية.
في هذا الإطار، برز خلال السنوات الأخيرة ما يمكن تسميته بعملية شحن داخلي ممنهجة داخل الجزائر، حيث لم يعد المغرب يُقدَّم كدولة جارة تختلف سياسيا، بل كعدو استراتيجي يُنسب إليه جزء كبير من الإخفاقات والتوترات. هذا الشحن لا يمر فقط عبر التصريحات الرسمية، بل يتغلغل عبر الإعلام، والخطاب شبه العسكري، وحتى المناهج الرمزية التي تعيد إنتاج صورة نمطية للجار الغربي باعتباره تهديد دائم. ومع تراكم الزمن، يفقد هذا الخطاب طابعه السياسي العقلاني، ويتحول إلى شعور جمعي مشحون بالعاطفة والريبة.
الأخطر في هذا المسار أنه لا يكتفي بتكريس العداء، بل يسهم تدريجيا في تجريد المغرب من صفته الإنسانية داخل المخيال الجمعي لبعض الفئات. فحين تُختزل دولة وشعب في صورة “العدو المطلق”، يصبح التعاطف مستحيلا وتغدو فكرة الصدام ولو نظريا أقل صدمة. هنا ينتقل الصراع من مستوى خلاف بين أنظمة سياسية إلى مستوى غِلّ اجتماعي قابل للانفجار، حيث يكفي حادث حدودي أو تصريح متشنج ليُقرأ كدليل إضافي على “شر متأصل”، ويُوظَّف لتغذية مزيد من الاحتقان.
وتكمن خطورة هذا التحول في كونه يفتح الباب أمام صراع قد يخرج عن السيطرة السياسية. فالتاريخ يبيّن أن الحروب لا تبدأ دائما بقرار استراتيجي مدروس، بل كثيرا ما تنطلق من بيئات مشحونة، يصبح فيها العنف مقبول نفسيا قبل أن يصبح واقع عسكري. وعندما تُنزَع الإنسانية عن الآخر، تتراجع قدرة العقل السياسي على التهدئة، ويضيق هامش المناورة أمام صانعي القرار أنفسهم.
في المقابل، يتابع المغرب هذا المنحى بقلق واضح، إدراكا منه أن الصراع حين يتحول إلى حالة وجدانية جماعية، يصبح أكثر تعقيدا من مجرد نزاع دبلوماسي. فالمشكل لم يعد فقط في اختلاف المواقف، بل في تغيّر طبيعة الخطاب الذي يُنتج الكراهية ويؤسس لعداء طويل الأمد بين شعبين تجمعهما روابط تاريخية وثقافية عميقة، تتجاوز بكثير حدود الخلافات السياسية الراهنة.
ورغم كل ذلك، تبقى الحقيقة الصلبة أن كلفة هذا التصعيد باهظة على الطرفين. فاستدامة الشحن الداخلي لا تصنع قوة إقليمية، بل تكرّس عزلة، وتُهدر فرصًا تنموية هائلة في منطقة تعاني أصلا من هشاشة اقتصادية واجتماعية. كما أن بناء الشرعية السياسية على عداوة دائمة يحمل في طياته خطر الانزلاق نحو صراع قاتل، قد لا يحقق لأي طرف مكاسب حقيقية، بقدر ما يفتح جراحًا يصعب اندمالها.
ورغم ذلك، تفرض القراءة الواقعية الاعتراف بأن كلفة هذا المسار التصاعدي باهظة على الطرفين. فالتحريض الدائم لا يصنع قوة، بل يراكم هشاشة داخلية، ويغلق آفاق التعاون الإقليمي في منطقة هي في أمسّ الحاجة إلى التكامل بدل التناحر. كما أن الرهان على تحويل العداء إلى عنصر دائم في بناء الهوية السياسية قد ينجح مرحليًا في ضبط الداخل، لكنه يحمل في طياته خطر الانزلاق نحو صراع قاتل، قد لا يكون قرار اندلاعه بيد من غذّوا أسبابه.
إن مستقبل العلاقات المغربية-الجزائرية لن يُحدَّد فقط بميزان القوى أو بتحولات النظام الدولي، بل بقدرة النخب الحاكمة على كبح منطق الشحن ونزع الإنسانية، وإعادة الخلاف إلى حجمه السياسي الطبيعي.
فالجوار قدر لا يمكن تغييره، لكن تحويله إلى عداوة وجودية خيار سياسي واعٍ. وبين شدٍّ وجدبٍ يتكرران، يبقى السؤال الأكثر إلحاح: هل يتم تدارك هذا المسار قبل أن يتحول الغِلّ المتراكم إلى صدام ، أم أن منطق التعبئة سيستمر إلى أن تفرض الوقائع كلمتها بثمن أعلى بكثير من أي حسابات آنية؟



