صحراويو تندوف.. حان وقت التحرر من اللاّخِيار

 صحراويو تندوف.. حان وقت التحرر من اللاّخِيار
الصحيفة | افتتاحية
الثلاثاء 16 يونيو 2026 - 16:51

بعد نصف قرن من الانتظار، لم يعد سؤال المستقبل بالنسبة إلى الصحراويين الموجودين في مخيمات تندوف، جنوب الجزائر، سؤالا مؤجلا إلى ما لا نهاية، فالأجيال التي وُلدت في تلك المخيمات، وكبرت هناك، ووجدت نفسها سجينة سردية سياسية لا تتغير، لها الحق اليوم في أن تطرح سؤالاً بسيطا ومشروعا: إلى أين نسير؟ ومن يملك فعلا قرارنا؟ وهل ما يزال من العقلانية رهن مصير آلاف الأسر بحسابات إقليمية لم تجلب لهم سوى العزلة والانتظار؟

إن مأساة الصحراويين في جنوب الجزائر لا تكمن فقط في قسوة الجغرافيا أو هشاشة شروط العيش، بل في استمرار وضع سياسي جامد تحوّل مع مرور الزمن إلى حالة استنزاف طويلة، لقد قيل لهم، وتم إقناعهم بذلك، طيلة عقود، إن الحل قريب، وإن "الدولة" قادمة، وإن ميزان القوى سيتغير، لكن نصف قرن كان كافيا ليكشف أن الوعد لم يتحقق، وأن كلفة الانتظار صارت أثقل من كل الشعارات.

المطلوب اليوم من هؤلاء الصحراويين، لا سيما الشباب منهم، أن يفكروا ببراغماتية في مصيرهم. تقرير المصير، في جوهره، لا يعني البقاء تابعين لإرادة طرف آخر، ولا تفويض القرار إلى نظام له حساباته الخاصة في المنطقة، تقرير المصير الحقيقي يبدأ من القدرة على الاختيار الحر، بعيدا عن ضغط السلاح والإيديولوجيا والوصاية السياسية.

لقد جعلت الجزائر من ملف الصحراء ورقة مركزية في سياستها الإقليمية، وهذا ليس سرا، فتمسكها باستمرار الوضع الحالي لا ينفصل عن رؤيتها للصراع مع المغرب، وعن رغبتها في امتلاك أداة ضغط دائمة داخل المنطقة المغاربية، غير أن هذا الرهان، الذي قام لعقود على فكرة إنهاك المغرب أو تقسيمه أو محاصرته استراتيجيا، لم يحقق غايته.

المغرب لم يتراجع في هذا الملف، بل عزز موقعه السياسي والدبلوماسي والاقتصادي والعسكري، بينما ظل سكان المخيمات يدفعون ثمن خيار لم يشاركوا فعليا في صياغته.

الأخطر أن استمرار هذا النزاع لم يعد يقدم أي أفق واقعي للصحراويين في تندوف، فالمشروع الذي رُفع باسمهم أصبح، مع مرور الزمن، أقرب إلى إدارة انتظار طويل منه إلى مشروع "تحرر حقيقي"، والقيادات التي تتحدث باسمهم تبدو، في جزء كبير من سلوكها السياسي، مرتبطة بأجندة النظام الجزائري أكثر من ارتباطها بحاجيات الناس اليومية مثل التعليم، الصحة، حرية التنقل، الكرامة، والعمل، ومستقبل الأطفال.

التصريحات الأخيرة لقادة المؤسسة العسكرية الجزائرية، ومنهم رئيس الأركان سعيد شنقريحة، تعكس إصرارا واضحا على إبقاء ملف الصحراء في صدارة المواجهة مع المغرب، لكن السؤال الذي يجب أن يطرحه الصحراويون أنفسهم هو: ما علاقتنا نحن بحسابات الجيوش؟ ولماذا ينبغي لأبنائنا أن يظلوا رهائن لتراكمات تاريخية تعود إلى حرب الرمال وصراعات الهيمنة في المغرب الكبير؟ وهل يجوز أن تُستنزف أجيال كاملة فقط لأن نظاما سياسيا يرى في النزاع وسيلة لتثبيت عقيدته العسكرية؟

إن البراغماتية لا تعني التنازل عن الكرامة، بل تعني البحث عن طريق قابل للحياة، وفي هذا السياق، لا يمكن تجاهل الارتباط التاريخي والإنساني والاجتماعي بين الصحراويين والمغرب، كما لا يمكن تجاهل أن مقترح الحكم الذاتي، رغم كل ما يمكن أن يثار حوله من نقاش، يمثل اليوم الإطار الواقعي الوحيد المطروح دوليا بشكل جدي، والقادر على إنهاء معاناة طويلة وفتح باب العودة والمشاركة والبناء.

لقد آن الأوان لصحراويي تندوف أن يفكروا في مستقبل أطفالهم لا في حسابات العواصم، آن الأوان أن يسألوا من استفاد من نصف قرن من الانتظار، ومن دفع الثمن، آن الأوان أن يتحرروا من منطق التبعية، ومن قيادات لم تقدم لهم سوى إعادة إنتاج الأزمة، ومن خطاب يجعل اللاخيار قدرا دائما.

لا يمكن للصحراويين أن يعيش إلى الأبد داخل مخيمات مُعلقة بين الوعد والخيبة، ولا يمكن لقضية إنسانية أن تظل رهينة صراع إقليمي للنظام الجزائري بلا أفق.

لذلك، فإن اللحظة تفرض شجاعة سياسية وأخلاقية مبنية على التفكير في العودة إلى المستقبل، لا البقاء في أسر الماضي، فالكرامة ليست في إطالة النزاع، بل في إنهائه بما يحفظ الناس، ويصون الروابط، ويفتح باب حياة طبيعية طال انتظارها.

The comments are closed in this post

كيف يهين النظام الجزائري ذاكرة شهدائه؟

في التاريخ، لم تكن الأنظمة السلطوية تكتفي بإدارة السياسة أو الاقتصاد، بل كانت تدرك أن السيطرة الحقيقية تبدأ عندما تنجح في إدارة الوعي الجماعي. ولهذا لم يكن غريبا أن يقول ...

استطلاع رأي

هل تتوقع أن تخسر إيران الحرب ضد الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل؟

Loading...