ضريبة تتبع أخبار السياسة
كثيرا ما تداول الناس قولا شهيرا لصاحبه فيما معناه أنه "إن لم تمارس السياسة، أو لم تتابعها على الأقل، ستمارس عليك". غير أن أعراض "مرض" تتبع أخبار السياسة والسياسيين تبدو خطيرة ويمكن أن تؤدي بالمرء إلى الهلاك. فأي نفسية مستقرة ستبقى للمتابع بشدة لما وقع على الأقل في الثلاث سنوات الأخيرة في غزة وإيران وباكستان واليمن وسوريا ولبنان وأوكرانيا ومالي والسودان؟!
الجانب المظلم في الموضوع
كم من شريط فيديو للحروب والمعارك عبر أمامنا؟ والقتل كان متداولا بشكل طبيعي، وكم من تعاطف صدر؟ وهل للإنسان ما يكفي من أرصدة ليجدده في كل مرة؟ لكن الأكثر كارثية في كل ما يحصل بالسياسية أن الإنسان يشعر وكأنه مكبل حتى مع كمية التعاطف التي تصدر عنه، ويبقى مسجونا دائما بسؤال: ماذا يمكن أن أفعل ولم أفعل حيال هذا الأمر؟
ماذا يمكن للمرء أن يفعل، خاصة وأن هذا المجال قائم على ثنائيات مدمرة لكل شيء؛ وهي الظالم والمظلوم، النزيه والفاسد، الخير والشر.. وكل طرف يدعي أنه على حق والطرف الثاني على خطأ، وبالتالي صراعات لا تنتهي.
الشيء الخطير في هذا المجال
يبدو في الكثير من الأحيان أن مجال السياسة مليء بالكثير من الحمقى والمجانين، بل الأغبياء والمغفلين، أصحاب النظرة الضيقة التي لا ترى إلا مصالحهم، الذين يسعون بطريقة بشعة إلى الجمع بين المال والسلطة بلا حدود، وبأيّة وسيلة.
ويتساءل المرء حينئذ، كيف وصل هؤلاء إلى هنا؟ ومن ساهم في ذلك؟
فكيف إذن لمن يتابع كل يوم هؤلاء الحمقى أن يبقى بعقل سليم؟!
والمصيبة الكبرى أن المجتهدين من الساسة وأصحاب القول السديد من الصعب جدا أن يقاوموا هذا التيار، لأنه كما يبدو فهو تيار جارف، ومع مرور السنوات أصبح أقوى وأقوى وكلما ظهر سياسي ناضج أصبح استثناءً فقط، والسيناريو الأقرب أنه سيستسلم في المدى القريب.
لا، بل الأخطر من كل ذلك أن أخبار السياسة والحروب لا تنتهي في العالم، إنما تشعر أحيانا أن أحدهم عندما يحس الجمهور بالملل في حرب معينة، يشعل حربا أخرى بأدوات قديمة - جديدة. لكن الجميع يشعر في النهاية أنه داخل نفس الدائرة الحمراء، بحيث البداية والنهاية فيها معروفة.
ما هو الحلإذن؟
يتبين من جانب آخر بأن متابعة أخبار السياسة في العالم ككل، وبالتحديد في بعض المناطق التي فيها ظلم كبير للناس.. هو أقل ما يمكن أن يفعله الإنسان لنصرة "القضايا العادلة" ولو بشكل صامت. وكأن المتابع يقول لهم -للمتضررين من السياسة- على الأقل أنا مهتم بكم وأحاول الوصول إلى أخباركم.
لكن في زمننا، زمن السرعة والتشتت بامتياز، خاصة إذا ترافقت أخبار السياسية مع أخبار أخرى مثل الرياضة وجديد "المؤثرين" والمشاهير وجديد السيارات والهواتف والمنازل والملابس.. والأدهى أن كل الأخبار بجميع أصنافها تصلك رغم كل الاحتياطات.. فأصبح بذلك الخروج من كل ذلك بنفسية سليمة متوازنة هدفا حقيقيا لكل إنسان عاقل.
فكيف يمكن النجاة من السياسة وقرارات السياسيين تلاحق الناس في كل مكان؟ وحتى عند متابعة أخبار السياسيين لمعرفة أسباب اتخاذهم تلك القرارات وما هو مسار الأشخاص الذين اختاروا ذلك التوجه.. تصبح ضريبة متابعتهم قاسية والتعبئة مضاعفة. فأين الحل من كل هذه الضرائب!
مهتم بالتاريخ السياسي وقضايا المجتمع



