طالبي الإيراني مع "الشيطان الأعظم".. حين أصلحت كرة القدم ما أفسدته السياسة!

قرعت سنة 2020، فور بزوغ شمسها، طبول "الحرب" بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، في صراع متجدد متجدر عبر التاريخ، أشعل فتيله، قبل أيام، مقتل الجنرال قاسم سليماني، الرجل الثاني في النظام الإيراني، ردا من "البينتغاون" على استهداف سفارتها في العاصمة العراقية بغداد. 

بالعودة إلى "كرونولوجيا" التاريخ، فإن العلاقة الإيرانية-الأمريكية، ظلت على صفيح ساخن، منذ أن نجحت الثورة الإسلامية في سنة 1979 في نقل السلطة من الشاه محمد رضا بهلوي، الذي كان يحظى بدعم أمريكي، إلى الزعيم الديني آية الله الخوميني، الذي كان يعتبر الولايات المتحدة الأمريكية، العدو الأول للبشرية، وناهبة ثروات العالم وأكبر عدو للإسلام والمسلمين في شتى أرجاء الأرض، كما رفع شعار "الموت لأمريكا" خلال الثورة الإيرانية الإسلامية.

صراع أزلي بين دولتين، سرعان ما توقف لظرف ساعة ونصف من الزمن، حول المستطيل الأخضر لملعب "جيرلان" في مدينة ليون، ذات يوم من يونيو 1998، بمناسبة مواجهة المنتخبين الإيراني والأمريكي، لحساب دور مجموعات نهائيات كأس العالم لكرة القدم.

"الشيطان الأعظم 1- 2 إيران.. قصة أكثر مباراة مشحونة سياسيا بتاريخ كأس العالم"، عنوان تقرير أنجزته صحيفة "الغارديان" البريطانية، لاستحضار قصة مباراة استثنائية، أحد أبطالها الإيراني جلال طالبي، لاعب كرة قدم، يسارع للعب يوميا بكرة صغيرة مصنوعة من المطاط في أزقة الأحياء الفقيرة، على الرغم من معارضة أخيه الذي كان قائدا لفريق كرة الماء، لكنه كان يحلم باللعب أمام آلاف الجماهير التي تهتف باسمه، ويمثل بلاده في كأس العالم.

يقول طالبي "أول بطولة شاهدتها كانت عام 1966، حيث كان السير بوبي تشارلتون نجم إنجلترا، وأسطورة نادي ليفربول، هو لاعبي المفضل لأنه كان يلعب بنفس مركزي بخط الوسط، وتعلمت الكثير من الحيل الكروية منه، لا زلت أحبه كلاعب وكرجل رياضي وكرجل نبيل".

أضحى طالبي لاعبا إيرانيا دوليا، لكن تعرضه للإصابة في الركبة، أنهى مسيرته الكروية في سن الـ27، ليتجه إلى التدريب، بحلول منتصف السبعينيات، إذ تقلد مهام الإشراف على في "دارائي"، لكن قدوم الثورة، غير كل شئ، وحان الوقت لأن "بدأت كرة القدم في الكفاح"، يقول المدرب الشاب.

 "لم يكن هناك مال، لذلك تركت إيران للعمل في الإمارات وأخذت عائلتي معي، أخبرني أصدقائي عن الفرص المتاحة لأطفالي للدراسة في مكان مثل الولايات المتحدة، كانت دولة كبيرة ومكان سمعت وقرأت عنه، الناس هناك كان لديهم حياة جيدة، معظمهم، كان مكانًا يمكنك فيه العثور على عمل. وهذا ما حدث، لقد بدأ العمل لعام واحد ، ثم أصبح عامين، أما الآن فأنا هناك منذ حوالي 40 عاما"، يقول طالبي.

الثورة الإيرانية عام 1979، التي صورت الولايات المتحدة الأمريكية، في نظر مواطنيها، أنها "الشيطان الأعظم"، ونمت المشاعر المعادية للولايات المتحدة، كانت بمثابة تناقض مثالي لبطل القصة؛ هذا الإيراني الفخور الذي يحاول استيعاب أسلوب حياة الأمريكيين في "كاليفورنيا"، كما عشرات الآلاف من الإيرانيين الذين ساروا على نفس الدرب، هاربين من الثورة إلى الـ USA.

حضر الطالبي عن قرب إلى "مونديال 1994" الذي احتضنته الولايات المتحدة الأمريكية، وهو لا يعلم أنه بعد أربع سنوات، سيقود منتخب بلاده في ذات البطولة، بعد أن وقعت إيران في المجموعة السادسة برفقة ألمانيا ويوغسلافيا والولايات المتحدة.

طلب الاتحاد الدولي "فيفا" من الاتحاد الأمريكي لكرة القدم عدم "تسييس" المباراة، حينها صرح مدرب المنتخب، قائلا "لم يريدوا أن أزرع العنف في اللاعبين، لكن الرياضة والسياسة متشابكان تماما، لم نقم بتسييس اللعبة، لكن إيران فعلت ذلك إلى أقصى حد، أعتقد أن حكومة إيران جعلتها مباراة سياسية، لم استخدم تاريخ البلدين حتى كأداة تحفيزية الاعبين، كان لدينا أيضا رهائن بالسفرة، لكن لم أفعل ذلك".

في المقابل، وصف طالبي شعوره، حينه، بالقول: "كنت سعيدًا لمساعدة بلدي ولكن كنت سعيدًا في الولايات المتحدة أيضا. أنه المكان الذي أتاح لي فرصًا. لم أكن أريد أن أفعل شيئا سيئًا للبلد الذي قدم لي ولعائلتي الفرصة ليكون لها مستقبل جيد، لكن الأمر لم يكن صعبا بالنسبة لي".

 قبل بداية المباراة، أهدى اللاعبون الإيرانيون وردة بيضاء لخصومهم الأمريكيين، كرمز للسلام، وجعلت "فيفا" من ذلك الموعد تاريخا ل"الروح الرياضية"..يقول طالبي "سأتذكر تلك الصورة لبقية حياتي.. جميعا بشر، لسنا اعداء، نحب اللعب معا، يحترم كل منا الآخر، تصافحنا وتبادلنا التهاني وانتقلنا للمباراة القادمة، لم تكن هناك حرب، كنا هناك لممارسة الرياضة".

بفضل هدفي حميد إيستيلي ومهدي مهدافيكا، انتصرت إيران على أمريكا، كرويا، فانطلقت الاحتفالات الإيرانية، حيث خرج الآلاف إلى الشوارع، في طهران كما سان فرانسيسكو، حيث تعانق أبناء طالبي الثلاثة واحتفلوا بفوز بلادهم، فيما أجهشت زوجته الأمريمية بالبكاء بعد المباراة.

يختم طالبي حديثه، بعد مضي أزيد من 20 عاما عن الواقعة، بالقول "لا أستطيع التعبير عن مشاعري في تلك اللحظة، لايمكن وصف ذلك، لايزال في ذهني وقلبي، ليس بسبب هزيمة الولايات المتحدة، كان اول فوز لنا في كأس العالم، لقد جعلنا الشعب الإيراني سعيدا، ورقصوا في الشوارع حتى وقت مبكر من صباح اليوم التالي، لا يمكن لتلك الليلة أن تنسى".

الأثنين 15:00
غيوم قاتمة
C
°
20.09
الثلاثاء
22.12
mostlycloudy
الأربعاء
19.9
mostlycloudy
الخميس
18.6
mostlycloudy
الجمعة
16.65
mostlycloudy
السبت
15.76
mostlycloudy