عقب "غضب" بمخيمات تندوف.. الجزائر تحاول "طمأنة" البوليساريو بعد ترحيب عطاف بالمسار التفاوضي حول الصحراء
كشفت التطورات الأخيرة داخل أروقة الأمم المتحدة عن وجود حالة ارتباك غير مسبوقة في تعاطي الجزائر مع ملف الصحراء، بعدما اضطرت الدبلوماسية الجزائرية إلى التدخل بشكل مباشر لاحتواء موجة غضب واسعة اجتاحت الأوساط الموالية لجبهة البوليساريو عقب التصريحات التي أدلى بها وزير الخارجية الجزائري أحمد عطاف بمناسبة يوم إفريقيا، والتي اعتبرت مؤشرا على تحول تدريجي في الخطاب الجزائري التقليدي تجاه النزاع المفتعل.
ففي خطوة بدت أقرب إلى رسالة طمأنة موجهة إلى قيادة البوليساريو وأنصارها، استغلت الجزائر أشغال الدورة الأخيرة للجنة الأمم المتحدة الخاصة بتصفية الاستعمار المعروفة بلجنة الـ24، والمنعقدة في نيكاراغوا بين 25 و27 ماي الجاري، لتؤكد على ما اعتبرته "ثوابتها" المعلنة بشأن قضية الصحراء، وذلك عبر تدخل رسمي لنائب الممثل الدائم للجزائر لدى الأمم المتحدة توفيق قدري.
وجاء هذا التحرك في وقت ما تزال فيه أصداء كلمة أحمد عطاف، التي ألقاها يوم 24 ماي بمناسبة الاحتفال بيوم إفريقيا تثير جدلا واسعا داخل المخيمات الصحراوية وفي الأوساط المقربة من جبهة البوليساريو بعدما رحب الوزير الجزائري بشكل صريح بالمسار التفاوضي الذي انطلق مطلع السنة الجارية تحت إشراف مشترك من الأمم المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية.
ورغم أن عطاف حرص خلال كلمته على التمسك بالموقف الجزائري التقليدي الداعم لما يسميه "حق تقرير المصير"، فإن مجرد الترحيب الرسمي الجزائري بمسار تفاوضي جديد يستند إلى القرار الأممي رقم 2797 اعتبر من قبل عدد من أنصار البوليساريو تحولا مقلقا في المقاربة الجزائرية خصوصا أن القرار ذاته كان محل رفض وانتقادات حادة من طرف الجبهة منذ صدوره عن مجلس الأمن الدولي في 31 أكتوبر 2025.
وهذا التوجس دفع عددا من النشطاء الصحراويين المقيمين بمخيمات تندوف إلى توجيه انتقادات مباشرة وغير مسبوقة لوزير الخارجية الجزائري عبر مواقع التواصل الاجتماعي، حيث اعتبر بعضهم أن الجزائر بدأت تتكيف تدريجيا مع التحولات الدولية التي يعرفها الملف في ظل تنامي الدعم الدولي لمبادرة الحكم الذاتي التي يقترحها المغرب وتصاعد الدور الأمريكي في رعاية العملية السياسية.
وفي مواجهة هذه المخاوف، سارع المسؤول الجزائري لدى الأمم المتحدة إلى نفي وجود أي تحول في الموقف الرسمي لبلاده، حيث هاجم خلال تدخله ما وصفه بـ"الادعاءات المغلوطة" و"القراءات المنحازة" لتصريحات عطاف كما انتقد ما اعتبره "احتفاء بالأمر الواقع" و"اعترافات مزعومة داعمة للأطروحة المغربية".
ولم يكن اختيار لجنة الـ24 بالذات لتوجيه هذه الرسائل أمرا اعتباطيا، إذ تعتبر هذه اللجنة إحدى أهم المنصات الأممية التي تستند إليها الجزائر والبوليساريو في الدفاع عن أطروحة تصفية الاستعمار، وهو ما منح التصريحات الجزائرية الجديدة بعدا سياسيا واضحا يتجاوز مجرد التوضيح الإعلامي إلى محاولة إعادة تعبئة القاعدة الداعمة للجبهة وإعادة التأكيد على استمرار الدعم الجزائري لها.
وقد سارعت وسائل إعلام مقربة من البوليساريو إلى الترحيب بتدخل الدبلوماسي الجزائري، معتبرة أنه وضع حدا للتأويلات التي انتشرت عقب خطاب عطاف كما أكدت منابر إعلامية صحراوية أن الجزائر ما تزال ملتزمة بدعم "حق الشعب الصحراوي في تقرير المصير" وأن موقفها لم يشهد أي تغيير رغم التطورات الأخيرة التي يعرفها الملف.
غير أن مراقبين يرون أن مجرد اضطرار الجزائر إلى إصدار توضيحات إضافية يكشف حجم القلق الذي أحدثته تصريحات وزير خارجيتها داخل المخيمات، خصوصا أن الخطاب الجزائري الرسمي كان طوال العقود الماضية شديد الوضوح في رفض أي مسار يمكن أن يفهم منه تقارب مع الرؤية المغربية أو قبول ضمني بالتحولات الجارية داخل مجلس الأمن.
ويأتي هذا الجدل في سياق إقليمي ودولي يشهد تحولات متسارعة في مقاربة القوى الكبرى لملف الصحراء، فمنذ اعتماد القرار 2797 في أكتوبر الماضي دخل الملف مرحلة جديدة اتسمت بعودة المفاوضات المباشرة بين الأطراف المعنية تحت رعاية أممية وبدفع أمريكي قوي كما انتقل النقاش الدولي تدريجيا من منطق إدارة النزاع إلى البحث عن آليات عملية للتسوية السياسية.
ويعتبر القرار 2797 محطة مفصلية في تطور الملف، إذ إنه لم يكتف بتمديد ولاية بعثة المينورسو بل أعاد التأكيد على ضرورة التوصل إلى حل سياسي واقعي وعملي ودائم وقائم على التوافق وهي الصيغة التي ترى الرباط أنها تمنح زخما إضافيا لمبادرة الحكم الذاتي التي تطرحها منذ سنة 2007 باعتبارها أساسا لتسوية النزاع.
وفي هذا السياق، أثارت تصريحات عطاف انتباه المراقبين لأنها تضمنت للمرة الأولى منذ مدة طويلة ترحيبا جزائريا بمسار تفاوضي جديد ترعاه الولايات المتحدة إلى جانب الأمم المتحدة، وهو ما اعتبره البعض مؤشرا على إدراك الجزائر لصعوبة الاستمرار في النهج السابق في ظل التوازنات الدولية الجديدة.
كما لفت الانتباه أن نائب الممثل الدائم للجزائر لدى الأمم المتحدة تجنب خلال تدخله الأخير أي إشارة مباشرة إلى القرار 2797، رغم أنه شكل محور الجدل القائم وهو ما فسره متابعون بأنه محاولة متعمدة لطمأنة أنصار البوليساريو الذين يعتبرون هذا القرار أحد أبرز مظاهر التحول الدولي لصالح المقاربة المغربية.
وتعكس هذه التطورات حجم الضغوط التي أصبحت تفرضها التحولات الجيوسياسية الأخيرة على الموقف الجزائري، خصوصا مع انتقال الملف من مرحلة الجمود السياسي الطويل إلى مرحلة حراك تفاوضي نشط تحاول مختلف الأطراف التموقع داخله بما يحفظ مصالحها ورهاناتها الاستراتيجية.
وفي انتظار الجولات المقبلة من المشاورات السياسية، يبدو أن الجزائر ستجد نفسها مضطرة إلى مواصلة السير على خيط دقيق بين مواكبة التحولات الدولية الجارية حول الملف وبين الحفاظ على الخطاب التقليدي الذي تبنته لعقود، وهو توازن تزداد صعوبة المحافظة عليه كلما تقدم المسار التفاوضي الجديد الذي ترعاه الأمم المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية.




