كيف يهين النظام الجزائري ذاكرة شهدائه؟

 كيف يهين النظام الجزائري ذاكرة شهدائه؟
الصحيفة | افتتاحية
الجمعة 10 يوليوز 2026 - 16:56

في التاريخ، لم تكن الأنظمة السلطوية تكتفي بإدارة السياسة أو الاقتصاد، بل كانت تدرك أن السيطرة الحقيقية تبدأ عندما تنجح في إدارة الوعي الجماعي. ولهذا لم يكن غريبا أن يقول الروائي البريطاني جورج أورويل إن من يسيطر على الماضي يسيطر على المستقبل، ومن يسيطر على الحاضر يسيطر على الماضي.

فالدعاية ليست مجرد أخبار مضللة، وإنما عملية طويلة لإعادة تشكيل الإدراك، وإعادة ترتيب الأولويات، وصناعة "العدو" الذي يجب أن تبقى الجماهير منشغلة به مهما تغيرت الظروف.

من هنا، لا تبدو المشاهد التي أعقبت خروج المنتخب المغربي من كأس العالم مجرد لحظة انفعال رياضي عابر; فالرياضة بطبيعتها تخلق المنافسة، والجماهير قد تشمت أحيانا في خصومها التقليديين، لكن أن يخرج أشخاص إلى الشوارع للاحتفال ليس بفوز منتخبهم، وإنما بخسارة منتخب دولة أخرى، فإن الأمر يتجاوز حدود المنافسة الرياضية، ويصبح سؤالا في علم الاجتماع السياسي قبل أن يكون سؤالا في كرة القدم.

فالاحتفال بالنجاح سلوك طبيعي; أما تحويل هزيمة الآخر إلى مصدر للبهجة الجماعية، فهو ظاهرة تناولتها أدبيات علم النفس الاجتماعي تحت مفهوم "الشماتة الجماعية"، وهي حالة يجد فيها بعض الأفراد أو الجماعات متعة في إخفاق الطرف الذي جرى تصويره، عبر الزمن، باعتباره خصما دائما أو تهديدا مستمرا. ولا تنشأ هذه الظاهرة من فراغ، بل تحتاج إلى خطاب سياسي وإعلامي طويل يجعل وجود "العدو" جزءا من تعريف الهوية الجماعية.

ولهذا لا ينبغي النظر إلى بعض مظاهر الاحتفال التي شهدتها الجزائر بعد خروج المنتخب المغربي باعتبارها دليلا على طبيعة مجتمع بأكمله، فالشعوب لا تختزل في مشهد واحد، ولا في فئة واحدة، لكنها، في المقابل، تطرح سؤالا مشروعا حول حجم تأثير الدعاية الرسمية عندما تتحول، عبر سنوات طويلة، إلى أداة لإعادة تشكيل الانفعالات الجماعية، بحيث يصبح سقوط الجار أهم من نجاح الذات.

لقد كتب عالم الاجتماع الفرنسي غوستاف لوبون، قبل أكثر من قرن، أن الجماهير حين تتعرض بصورة مستمرة للرسائل نفسها، تصبح أكثر استعدادا لتبنيها باعتبارها حقائق بديهية. بينما تذهب نظرية الهوية الاجتماعية، التي طورها هنري تاجفيل، إلى أن بعض الجماعات تبني شعورها بالتمايز ليس عبر الإنجاز، وإنما عبر وجود جماعة أخرى تُقدَّم باستمرار باعتبارها الخصم الذي ينبغي رفضه أو منافسته أو حتى الفرح بكل إخفاق يصيبه.

وعندما تُسقط هذه المفاهيم على الحالة الجزائرية، يصبح من الصعب فصل بعض ردود الفعل الشعبية عن عقود من الخطاب السياسي والإعلامي الذي جعل المغرب حاضرا بصورة يومية في النقاش الداخلي.

فمن يتابع جزءا من الإعلام الجزائري الرسمي وشبه الرسمي يلاحظ أن المغرب حاضر في نشرات الأخبار، والبرامج السياسية، والتقارير، والافتتاحيات، بصورة تفوق حضوره في إعلام كثير من الدول المجاورة.

وحين يتكرر هذا الخطاب عاما بعد عام، فإنه لا يبقى مجرد مادة إعلامية، بل يتحول إلى إطار ذهني يرى من خلاله بعض المتلقين العالم من حولهم.

والمفارقة الأكثر إيلاما أن هذا الخطاب نجح، لدى بعض الفئات، في إعادة ترتيب الذاكرة التاريخية نفسها. ففرنسا التي استعمرت الجزائر مدة 132 سنة، وخلفت مئات الآلاف من الضحايا، وصادرت الأراضي، ونفذت تجارب نووية في الصحراء الجزائرية، وارتبط اسمها بواحدة من أكثر التجارب الاستعمارية عنفا في القرن العشرين، لم تعد تحتل، لدى بعض هؤلاء، المكانة نفسها التي يحتلها المغرب في سلم الخصومة اليومية.

ولا يتعلق الأمر هنا بالمطالبة بعداء فرنسا أو غيرها، فالعلاقات بين الدول تبنى على المصالح لا على الأحقاد التاريخية، لكن المفارقة تكمن في أن شعبا جارا، تجمعه بالجزائر روابط الدين واللغة والجغرافيا والمصير المشترك، وكان للمغرب دور موثق في دعم الثورة الجزائرية بالسلاح والإيواء والدعم الدبلوماسي، يتحول لدى بعض الفئات إلى موضوع شماتة وفرح كلما تعرض لإخفاق رياضي أو سياسي.

إن أخطر ما تفعله الدعاية السياسية ليس أنها تدفع الناس إلى كراهية خصومهم، بل إنها تجعلهم ينسون أولوياتهم الحقيقية، وعندما يصبح انتصار الجار خسارة شخصية، وخسارته مكسبا وطنيا، تكون البوصلة قد تغيرت بالكامل، وهنا تنتصر الدعاية، لأنها لم تعد تحتاج إلى إقناع الناس كل يوم، بل يصبح الناس أنفسهم هم من يعيد إنتاج خطابها والدفاع عنه ونشره.

لقد عرف التاريخ أمثلة كثيرة على مجتمعات نجحت الأنظمة في تعبئتها ضد "عدو خارجي" من أجل صرف الأنظار عن أزماتها الداخلية، فكلما اشتدت الأزمات الاقتصادية أو الاجتماعية، كان أسهل الحلول هو البحث عن خصم دائم يلتف الناس حول معاداته. إنها آلية قديمة بقدم السياسة نفسها، لكنها تصبح أكثر خطورة عندما تتحول إلى جزء من الثقافة العامة، لا مجرد موقف سياسي مؤقت.

إن المغرب والجزائر لا يحتاجان إلى مزيد من إنتاج الكراهية، بل إلى استعادة الحد الأدنى من العقلانية في النظر إلى المستقبل، والجغرافيا لا يمكن تغييرها، والتاريخ لا يمكن محوه، والشعبان سيبقيان جارين مهما تعاقبت الحكومات والأنظمة.

ويبقى السؤال الذي يستحق أن يطرحه كل مراقب بصدق هو: هل يمكن لدولة أن تبني وعيا وطنيا سليما إذا كان جزء من هذا الوعي يقوم على انتظار سقوط الجار؟ وهل تستطيع الأجيال الجديدة أن تصنع مستقبلا اقتصاديا وعلميا وحضاريا وهي تتربى على أن أعظم لحظات الفرح ليست تلك التي تحقق فيها الإنجاز، وإنما تلك التي ترى فيها الآخر يخسر؟

إن الأمم التي تصنع المستقبل تحتفل بما تبنيه بأيديها، أما الأمم التي تُدفع إلى الاحتفال بما يخسره الآخرون، فإنها تخاطر بأن تستهلك طاقتها في معارك رمزية لا تضيف إلى رصيدها إنجازا واحدا، ولا تقربها خطوة واحدة من التنمية أو التقدم.

ويبقى السؤال الأكثر إيلاما هو: ماذا لو نهض شهداء الثورة الجزائرية من قبورهم للحظات؟ ماذا كانوا سيقولون وهم يرون بعض أبناء وطنهم يحتفلون بانتصار الدولة التي استعمرت بلادهم أكثر من قرن، وخلفت وراءها جراحا لا تزال محفورة في الذاكرة الجزائرية، بينما يفرحون بإقصاء منتخب شعب جار ساند الثورة الجزائرية بالسلاح والمال والدبلوماسية، وامتزجت دماء عدد من أبنائه بدماء المجاهدين الجزائريين؟

ماذا لو عاد أولئك الذين خرجوا في شوارع الجزائر احتفالا بخسارة المغرب الكروية إلى نصب الشهيد في العاصمة، وتوقفوا قليلا أمام أسماء المغاربة الذين امتزجت دماؤهم بدماء المجاهدين الجزائريين دفاعا عن استقلال الجزائر؟

إنها ليست مجرد أسماء منقوشة على الحجر، بل شهادة حية على زمن كانت فيه وحدة المصير أقوى من الخلافات السياسية، وكانت فيه معركة الحرية تجمع الشعبين في خندق واحد.

والسؤال اليوم هو: كيف نجحت سنوات من الدعاية والخصومة في إرباك هذه الذاكرة، حتى أصبح الفرح بسقوط الجار يطغى على إرث تاريخي صنعه رجال ضحوا بأرواحهم من أجل قضية مشتركة؟

The comments are closed in this post

إسبانيا التي يبتلعها التطرف

ثمة شيء يتغير بعمق داخل إسبانيا، وليس من الحكمة اختزاله في صعود حزب "فوكس"، ولا في بعض المظاهرات التي يظهر فيها شبان يؤدون التحية الفاشية، ولا حتى في الشتائم التي ...

استطلاع رأي

هل حان الوقت للمغرب لإدراج ملف مدينتي سبتة ومليلية أمام لجنة الـ24 المعنية بتصفية الاستعمار بالأمم المتحدة؟

Loading...