عَشوائية.. في تجارةِ الأرصِفة!

باعةٌ مُتَجوّلون، على أرصفةِ الشّوارع.. يُمارِسُون "تِجارةَ الرّصِيف".. هذه تُخفِي ما لا تُظهِر..

في ظاهرِها بِطالةٌ من كل مكان، وباعةٌ بلا عُنوان، ولا ضرائب، ولا مُساهمَة في الاقتصاد الوطني..
وبِطالةٌ قرَويّة.. وجامعيّة.. ومن بقيّةِ مُستَوياتِ التعليم..

وفي الخَفاء، تجارةٌ ليست كلُّها بريئة.. وحولَها تحُومُ  - أحيانًا - بعضُ الشبُهات، ومنها تهريبٌ واحتكارٌ وعِصابات...

وسُلُطةٌ لا تقُومُ بواجِبها.. وتتَملّصُ من مَسؤولياتِها.. وتتَهرّبُ من تَنظيمِ هذه التّجارة.. ولا تُريدُ الباعةَ أن يَشتغلَ بوُضوح، وشفافيّة، وتحت أضواءِ القانون..

وأثرياءُ يَستَورِدُون - من الخارج - أنواعا من السّلَع: التّغذية، والألبسة، والتّزيِين، والتّجميل، والتّقليد...
يَستَوردُونها من القارات الخمس، ويَبِيعُونَها بالجُملة.. وتُجّارُ التّقسيطِ يَستلِمُونها.. ويُعيدُون بيعَها لنا.. ونحنُ عليها نتزَاحَم..

إنّ القانونَ موجود، لكنهُ قَلّما يُطبّق.. والجهاتُ المسؤولةُ تتَظاهرُ بالحربِ على التّجارةِ  الرّصيفيّة، وفي الواقع، هذه مَسرحيةٌ تَستَهدفُ الفُقراءَ العاطِلين، للتّغطيّة على المُستفِيدِين الكبار، من تجارةِ الرّصيف..

أثرياءُ يُدخِلون إلى البلد أنواعا من السلَع، خارجَ مُراقبةِ الدولة، وبلا فواتير، ولا ضرائب، ولا تصريحٍ بمن معهُم يَشتغلُون..

تجارةٌ كبيرةٌ تختفِي وراءَ شبابٍ عاطِلينَ يَبِيعُون سِلعًا بأرصفةِ البلد..

الفُقراءُ بعَرقِ جَبِينِهم في الواجهة، والأغنياءُ بأموالِهم في الخفاء.. الفُقراءُ دائما خاسِرون.. وأمام السلطةِ هم مُتّهَمون..

بينما من يَملكُون الرأسمالَ الذي يتمّ ترويجُه خلفَ السّتار، بكلّ جهاتِ البلد، هم أثرياءُ غيرُ مَشكوكٍ فيهم، بعيدُون عن المُحاسبة..

إنها الملاييرُ يتمّ ترويجُها بالأسواقِ الوطنية، أمام أنظارِ الجهاتِ المسؤولة، ويَشتغلُ بها، على الأرصفة، مَلايينُ من الشباب العاطلين..

ولا يُمكنُ تَصَوّرُ كلِّ الباعةِ المتجوّلين، بكل المُدُن والأسواق، بدون التساؤلِ عن مَصدرِ هذه الأنواعِ من السلَعِ الخارجية.. بعضُها من إسبانيا.. تلك من فرنسا.. أُخرى  من الصّين.. ومن تُركيا.. ومن دولٍ أخرى...

من هُم كبارُ المُهرّبين؟ والاحتكاريّين؟ ومَن هُم خفافيشُ الأسواق السوداء؟

لا يُتصوّرُ أن يكون ترويجُ هذه الملايير - فقط - بفضلِ "ملايينِ العاطلين"..

العاطلون في مُجملِهم فُقراء.. فمن أين لهُم بكلّ هذا الرّأسمال الذي يَشتغلون به على أرصفةِ البلد؟

هذا رأسُمال ضخم، مُتحرّك..

رأسُمال يملكُه أكبرُ أثرياءِ البلد..

وإذا فُتح تحقيقٌ دقيق، قد يَتأكدُ أن الأمر يتعلقُ بأموالٍ غيرِ نظيفة.. وأنّ الرّأسمال قد تَحرّك من الخارج، باتجاه الداخل.. ربما يتكوّن من تهريب.. وفي التهريبِ ممنُوعات..

هل بالصّدفة أن نجدَ أنواعا من السّلع الخارجية، كلّها تلتقي عند زُبناءَ مغاربة يشترون السلعَ الخارجية؟

أهذه صُدفة؟ أم هي استراتيجيةٌ تِجاريةٌ كُبرى؟

من هُم شُركاءُ رأسِمالِ التجارة الرّصيفية؟

وأينَ تذهبُ الأرباح؟ أين الثروة؟

- إننا أمامَ تجارةٍ غيرِ مُنظّمة.. تجارة فَوضَويّة!

وأينما كانت تجارةُ الفَوضَى، وكان الرّواج، والإقبالُ الاجتماعي... كانت معها مَظاهرُ الفساد: الرّشوة، العُملة المُهرّبة، وحتى المُزيّفة، والمُخدّرات، وكلٌّ أنواع المُهَرَّبات..

هذا مُحتمَلٌ جدا، خاصةً من قِبل شبكاتٍ كبرى تُحرّك هذا الأسطول المالي، في بلادنا، خارجَ مُراقبةِ مؤسّساتِ الدولة..

وحتى المِساحاتُ المُستَغِلَّةُ لتجارةِ الأرصفة، بكل أنواعها، ربما يكونُ فيها ما يُستَخدَمُ لأهدافٍ أخرى.. فعندما يكون القانونُ مُجردَ مِدادٍ على ورَق، لا يُستبعَدُ أن تتَحرّك تجارةٌ مُوازية، كالمُخدّرات وغيرِها..

تجارةٌ خارجَ القانون، قد تقفُ خلفَها عصابات..

تجارةٌ لا يَتبعُها كراء، وضريبة، وفواتير، ويدٌ عاملة، وحراسة، وأعباءُ أخرى...

التجارةُ على الرّصيف، تَتِمُّ بين البائعِ والمُشترِي..

وبدون مصاريفَ إضافية..

- والعشوائيةُ ضدّ العشوائية!

عشوائيةُ "الإدارة" تُحاربُ عشوائيةَ الشارع..
وشوارعُ العشوائيات ما زالت، كما كانت، منذ الاستقلال إلى الآن..
 "الإدارة" تُطاردُ الباعةَ العشوائيّين، بنفس العشوائيّة..
نفسُ الطريقة المُعتادة: القطّ يُطاردُ الفأر..
وشوارعُ تتحوّلُ إلى مُلاحَقاتٍ لا تنتهي..
مُمثلُو "الإدارة" يبحثُون عن شيء.. وهذا الشيءُ مَعروفٌ لدى الباعة.. وحتى لدى عامةِ الناس..
الكلّ يعرفون أن الرّشوة هي الأسلوبُ الأمثلُ لإحلال السلام بين القط والفأر..
وبدون رشوة، لا كلام.. الملاحقاتُ لا تتوقّف.. والصورةُ هي هي.. ولا جديد..
والطرفان المَعنيان يَلعبان على القانون..
والرشوةُ تسمحُ بغضّ الطّرف..
البائعُ يَخرقُ القانون.. ومُمثّلُ الإدارة يغضّ الطرفَ عن البائع.. وقد ينتهي الأمرُ بالاتفاق على خرق القانون، وهذا يعني إقامةَ علاقةِ تواطُؤ مُتفاهِم..
- نفسُ السلوك..
وكلّ الأحزاب التي حَكمت بلدَنا، اعتادت سياسةَ "القطّ والفأر"..
وكلّ الحكومات شجّعت على العشوائيات، بكل أشكالها وأنواعها..

- أينما كانت العشوائية، كان خرقُ القانون، وكانت الرشوة..
وفي كل الأحوال، عَشوائيةٌ إداريّةٌ في مُواجهةِ عشوائيةٍ اجتماعيّة..
وتتَحولُ العشوائيةُ إلى رأسمالٍ مادّي ملمُوس..
وعندما يحضرُ مُمثّل للإدارة، يُفهم أن "الإدارة" تبحث عن لعبةٍ جديدة.. القطّ يستهويه أن يُواصلَ ملاحقةَ الفأر..
واللعبةُ لا يُوقفُها لا قانون.. ولا رَدع.. ولا عنوان..

- والسّلطاتُ تُهاجمُ باعةَ الخُضرِ والفَواكه، وتَستَولِي على صناديقِهم، وتُشتّتُ على الأرضِ ما تبَقّى، ثم تحملُ "البضاعةَ" في سياراتِ الدولة، وتَنسحبُ بها إلى المجهُول..
لماذا لا تجدُ السلطاتُ حُلولاً؟
الحاجةُ لتنظيمِ الأسواق..
لا مُكافحةَ العَشوائية بالعَشوائية!

[email protected]

تعليقات الزوار ( 0 )

أضف تعليقاً

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية) .