فاي يعيّن خبيرا اقتصاديا في منصب الوزير الأول لإنهاء أزمة الديون المتفاقمة بالسنغال.. وسونكو يواصل تحدي "رفيق الأمس" بعد انتخابه رئيسا للبرلمان
أعاد الرئيس السنغالي، باسيرو ديوماي فاي، رسم ملامح السلطة في البلاد عبر تعيين الاقتصادي، أحمد الأمين لو، رئيسا جديدا للحكومة، بعد أيام فقط من إقالة حليفه التاريخي ورئيس وزرائه السابق، عثمان سونكو، الذي لم يبتعد كثيرا عن دوائر النفوذ بعدما انتُخب في المقابل رئيسا للجمعية الوطنية بأغلبية ساحقة في مشهد سياسي يعكس انتقال الأزمة داخل قمة السلطة السنغالية من التوتر الصامت إلى إعادة توزيع مراكز القوة بين الرجلين اللذين قادا معا موجة التغيير السياسي في انتخابات 2024.
وجاء تعيين أحمد الأمين لو، المسؤول السابق في البنك المركزي لدول غرب إفريقيا، بشكل رسمي، اليوم الثلاثاء، بعدما كانت وسائل إعلام رسمية سنغالية قد سربت، منذ الإثنين، معطيات حول اختياره لقيادة الحكومة الجديدة، في خطوة فسرتها الأوساط السياسية في دكار باعتبارها محاولة من الرئيس فاي لإعادة ضبط توازنات السلطة وطمأنة المؤسسات المالية الدولية والأسواق، في ظل وضع اقتصادي ومالي بالغ الحساسية.
وفي الوقت الذي كان فيه الرئيس السنغالي يصدر قرار تعيين رئيس الحكومة الجديد، كانت الجمعية الوطنية تصادق، في المقابل، على انتخاب عثمان سونكو رئيسا للبرلمان، بحصوله على 132 صوتا من أصل 165، بعد ثلاثة أيام فقط من إقالته من رئاسة الحكومة، ما عكس استمرار الوزن السياسي القوي للرجل داخل الأغلبية الحاكمة وحزب "الوطنيون السنغاليون".
ويكشف هذا الترتيب السياسي الجديد عن محاولة لتفادي انفجار كامل داخل السلطة، عبر نقل سونكو من رئاسة الحكومة إلى رئاسة المؤسسة التشريعية، بدل إخراجه كليا من معادلة الحكم، خاصة أن الرجل ما يزال يمثل أحد أبرز الوجوه الشعبوية والسياسية تأثيرا داخل السنغال، ويتمتع بحضور جماهيري واسع داخل الشارع الشبابي والطبقات الشعبية.
وكانت العلاقة بين الرئيس باسيرو ديوماي فاي وحليفه عثمان سونكو قد دخلت، خلال الأشهر الأخيرة، مرحلة توتر متصاعد، بعدما بدأت تظهر تباينات واضحة بين الرجلين بشأن تدبير السلطة والعلاقة مع المؤسسات المالية الدولية وأولويات الحكم، في وقت تواجه فيه السنغال وضعا اقتصاديا شديد التعقيد.
وبدأ هذا التوتر يطفو إلى السطح بشكل علني منذ مارس الماضي، عندما لوّح سونكو بإمكانية انتقال حزبه إلى المعارضة إذا ما ابتعد الرئيس فاي عن البرنامج السياسي الذي أوصل التحالف إلى الحكم، في تهديد غير مسبوق داخل السلطة كشف حجم الشرخ المتنامي بين الطرفين.
وترى أوساط سياسية في دكار أن هذا الصراع لم يكن مجرد خلاف شخصي بين رئيس ورئيس حكومة، بل يعكس صداما أعمق بين رؤيتين مختلفتين لإدارة الدولة، الأولى يمثلها فاي، الذي يسعى إلى تقديم صورة أكثر مؤسساتية وواقعية أمام الشركاء الدوليين وصندوق النقد الدولي، والثانية يجسدها سونكو بخطابه الشعبوي والسيادي الحاد، الذي يقوم على تعبئة الشارع ومهاجمة النخب التقليدية والمؤسسات المالية الدولية.
ويكتسي هذا الصراع حساسية خاصة بالنظر إلى الوضع المالي الخطير الذي تمر به السنغال، إذ كشفت المعطيات الرسمية أن حجم الدين العمومي بلغ حوالي 132 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، في واحد من أعلى معدلات المديونية بالمنطقة، وهو ما يضع الحكومة الجديدة تحت ضغط هائل لإطلاق إصلاحات اقتصادية قاسية من أجل استعادة ثقة المانحين والمؤسسات المالية الدولية.
وفي هذا السياق، يبدو اختيار أحمد الأمين لو، القادم من المؤسسة النقدية الإقليمية، رسالة مباشرة إلى الدوائر المالية الدولية، خاصة بعدما وصفه الرئيس فاي، في مرسوم تعيينه، بأنه "ملم بخبايا الاقتصاد والمالية"، في إشارة إلى الرهان على خبرته التقنية لمحاولة إخراج البلاد من أزمتها المالية.
ومن جهته، حاول رئيس الحكومة الجديد طمأنة الداخل والخارج، في أول تصريح له بعد تعيينه، حين أكد أن "السنغال بلد آمن وقابل للحياة، وسيبقى كذلك"، معترفا، في الوقت ذاته، بـ "صعوبة الوضع المالي" الذي تواجهه البلاد، كما شدد على أن ما جرى "ليس تغييرا في التوجه، بل تغيير في الأسلوب"، في إشارة واضحة إلى أن السلطة الجديدة لا تزال متمسكة بخطاب "السيادة الاقتصادية والثقافية" الذي كان عثمان سونكو أحد أبرز المدافعين عنه.
ويعود جزء كبير من الأزمة الحالية إلى الاتهامات التي وجهها فاي وسونكو، بعد وصولهما إلى الحكم سنة 2024، إلى نظام الرئيس السابق ماكي سال، بشأن إخفاء جزء من الدين العمومي الحقيقي للبلاد، وهو ما تسبب لاحقا في تعليق برنامج مساعدات من صندوق النقد الدولي بقيمة 1.8 مليار دولار، كان قد تم الاتفاق عليه سنة 2023.
ويضع هذا الوضع الحكومة الجديدة أمام تحديات ضخمة، أبرزها كيفية التوفيق بين الخطاب السيادي والشعبوي الذي حمل التحالف إلى السلطة، وبين ضرورات الواقع الاقتصادي والضغوط المرتبطة بإعادة التفاوض مع المؤسسات المالية الدولية وضمان استقرار الاقتصاد السنغالي.
ويرى مراقبون أن انتخاب عثمان سونكو رئيسا للبرلمان، رغم إقالته من رئاسة الحكومة، يعني أن الرجل لم يغادر مركز القرار، بل انتقل إلى موقع جديد يمنحه قدرة أكبر على التأثير في التشريع والضغط السياسي، ما يجعل العلاقة بينه وبين الرئيس فاي مرشحة للاستمرار بين منطق الشراكة المتوترة والتنافس المكتوم داخل هرم السلطة السنغالية.




