فرنسا تبدي "غضبها" من الإعلام الجزائري بعد الإساءة لوزير خارجيتها اثر تأكيد دعم بلاده لمغربية الصحراء
عاد التوتر الجزائري الفرنسي إلى واجهة المشهد من جديد، بعدما تحولت زيارة وزير الخارجية الفرنسي جون نويل بارو إلى الرباط إلى شرارة سجال علني غير مسبوق بين السفارة الفرنسية في الجزائر وصحيفة "الوطن" الجزائرية الناطقة بالفرنسية، في حلقة جديدة تكشف هشاشة مسار التهدئة بين البلدين رغم محاولات إعادة ترميم العلاقات التي تصدعت منذ إعلان باريس دعمها الرسمي لمبادرة الحكم الذاتي المغربية في الصحراء.
وبدأت فصول الأزمة الجديدة عقب نشر صحيفة "الوطن" مقالا هاجمت فيه رئيس الدبلوماسية الفرنسية بسبب التصريحات التي أدلى بها خلال زيارته الأخيرة إلى المغرب يوم 20 ماي الجاري، والتي أعاد فيها التأكيد بشكل واضح على دعم باريس لمقترح الحكم الذاتي المغربي باعتباره الإطار الوحيد الجدي وذي المصداقية لتسوية النزاع حول الصحراء، إذ اعتبرت الصحيفة الجزائرية أن هذا الموقف يعكس بحسب توصيفها "خضوعا للمغرب" منتقدة ما وصفته بتناقض السياسة الفرنسية بين محاولات استعادة العلاقات مع الجزائر والاستمرار في دعم الطرح المغربي في ملف تعتبره الجزائر "قضية مبدئية"
ولم يتوقف الهجوم الإعلامي عند حدود الموقف السياسي الفرنسي، بل امتد إلى استهداف شخص الوزير الفرنسي نفسه، إذ وصفته الصحيفة بأنه "وزير بلا وزن سياسي" معتبرة أن الدبلوماسية الفرنسية أصبحت رهينة لتوازنات اليمين واليمين المتطرف داخل فرنسا، وأن باريس تدير علاقتها مع الرباط والجزائر عبر "إشارات متناقضة" تزيد من تعقيد المشهد المغاربي وتعمق أزمة الثقة القائمة بين العاصمتين.
وركزت الصحيفة الجزائرية بشكل لافت على ما اعتبرته "ازدواجية" في المقاربة الفرنسية، مشيرة إلى أن باريس ترسل في الوقت نفسه مسؤولين ووفودا إلى الجزائر من أجل إعادة بناء الثقة السياسية والدبلوماسية، بينما تواصل بالمقابل تثبيت دعمها العلني للموقف المغربي في قضية الصحراء وهو ما يجعل وفق تعبيرها، أي محاولة للتهدئة "هشة وقابلة للانهيار في أي لحظة"
وعلى إثر ذلك، خرج السفير الفرنسي في الجزائر ستيفان روماتي الذي عاد مؤخرا إلى الجزائر بعد أشهر من مغادرتها خلال ذروة الأزمة الثنائية بتصريحات علنية عبر إذاعة "فرانس أنتير" شدد فيها على أن الحوار مع الجزائر "ضرورة" رغم صعوبته، مؤكدا أن فرنسا تسعى إلى إعادة بناء العلاقة الثنائية على أساس التعاون والمصالح المشتركة والاحترام المتبادل.
لكن السفير الفرنسي لم يخف انزعاجه من مضمون المقال الجزائري، إذ اعتبر أن بعض العبارات الواردة فيه "غير مقبولة" مؤكدا أن باريس تنتظر أيضا "الاحترام من الجانب الجزائري" في موقف يعكس انتقال التوتر من المستوى الدبلوماسي المغلق إلى مواجهة إعلامية مفتوحة وغير مألوفة بين ممثل دبلوماسي أوروبي وصحيفة جزائرية مقربة من دوائر القرار السياسي والإعلامي في الجزائر.
وجاءت تصريحات روماتي في سياق حديث أوسع عن مسار إعادة الدفء للعلاقات الثنائية، حيث كشف أن الأشهر الأخيرة شهدت زيارات لمسؤولين فرنسيين إلى الجزائر مع التحضير أيضا لاستقبال وزراء جزائريين في باريس، في مؤشر على وجود رغبة سياسية لدى الطرفين لتجاوز واحدة من أعقد الأزمات التي عرفتها العلاقات الجزائرية الفرنسية منذ سنوات.
غير أن رد السفير الفرنسي لم يمر دون تصعيد جديد من صحيفة "الوطن" التي سارعت إلى نشر افتتاحية ثانية أكثر حدة اعتبرت فيها أن تصريحات روماتي بشأن الصحراء تشكل "خطأ دبلوماسيا واستراتيجيا" خاصة بعدما تحدث عن قرار مجلس الأمن واعتبر أنه يمنح مكانة مركزية لمبادرة الحكم الذاتي المغربية.
ورأت الصحيفة الجزائرية أن السفير الفرنسي قدم بحسب تعبيرها، "قراءة منحازة" للقرارات الأممية معتبرة أن الأمم المتحدة ما تزال تتعامل مع الصحراء باعتبارها "إقليما غير متمتع بالحكم الذاتي يخضع لمسار تصفية استعمار قائم على مبدأ تقرير المصير" كما انتقدت ما وصفته بسوء تقدير باريس لحساسية الملف بالنسبة للجزائر معتبرة أن محاولة التعامل معه كملف ثانوي ضمن العلاقات الثنائية يمثل خطأ سياسيا ودبلوماسيا فادحا.
وفي افتتاحيتها الثانية، ذهبت الصحيفة أبعد من ذلك حين اتهمت فرنسا بممارسة ازدواجية استراتيجية في المنطقة المغاربية، عبر السعي إلى توسيع التعاون الأمني والاقتصادي مع الجزائر خصوصا في ملفات الطاقة والهجرة والساحل مع الاستمرار في الوقت ذاته في تثبيت دعمها للمغرب في ملف تعتبره الجزائر جوهر سياستها الإقليمية.
ويبدو أنه ما يزال السجال الإعلامي والسياسي يكشف حجم الهشاشة التي ما تزال تطبع مسار التقارب الجاري بين باريس والجزائر، رغم المؤشرات الأخيرة التي أوحت بإمكانية تجاوز مرحلة القطيعة والتوتر فالعلاقات بين البلدين تبدو حتى الآن محكومة بملفات ثقيلة ومعقدة، يأتي في مقدمتها ملف الصحراء الذي تحول تدريجيا إلى أحد أبرز محددات التموضع الدبلوماسي الفرنسي في المنطقة المغاربية خصوصا بعد انتقال باريس من سياسة "الغموض المدروس" إلى دعم أكثر وضوحا للمبادرة المغربية للحكم الذاتي.




