في غياب التقدم والاشتراكية… تحالفُ الاشتراكي الموحد وفيدرالية اليسار يعلن عن نفسه استعدادا للانتخابات التشريعية
شهد مقر فيدرالية اليسار الديمقراطي بالدار البيضاء صباح اليوم الأربعاء إعلانا رسميًا عن ميلاد "تحالف اليسار"، الذي يجمع بين الحزب الاشتراكي الموحد وفيدرالية اليسار الديمقراطي، في خطوة سياسية جديدة تسبق الاستحقاقات الانتخابية لسنة 2026، وتعيد طرح سؤال وحدة اليسار المغربي في سياق يتسم بإعادة ترتيب الاصطفافات الحزبية وتزايد النقاش حول جدوى التحالفات الانتخابية وقدرتها على إنتاج بدائل سياسية حقيقية.
وجاء الإعلان خلال ندوة صحفية خصصت لتقديم الخطوط العريضة لهذا التحالف، حيث أكد جمال العسري، الأمين العام للحزب الاشتراكي الموحد، أن هذه الخطوة تأتي في إطار مسار طويل من النقاشات بين مكونات اليسار الديمقراطي، بهدف تجاوز حالة التشتت التي طبعت المشهد اليساري لسنوات، واستعادة القدرة على التأثير في النقاش العمومي والدفاع عن المطالب الاجتماعية والسياسية التي ترفعها مختلف الحركات المجتمعية.
وأوضح العسري أن الرهان الأساسي من هذا التحالف لا يقتصر على الحسابات الانتخابية، بل يتجاوزها نحو محاولة بناء أرضية سياسية مشتركة قادرة على تقديم تصور بديل للسياسات العمومية، في ظل ما يعتبره فاعلون يساريون اختلالات عميقة في التجربة الحكومية الحالية، سواء على المستوى الاجتماعي أو الاقتصادي أو الديمقراطي.
وكانت بعض التقديرات السياسية تشير في وقت سابق إلى إمكانية تشكيل كتلة انتخابية أوسع تضم أيضا حزب التقدم والاشتراكية إلى جانب الحزب الاشتراكي الموحد وفيدرالية اليسار الديمقراطي، في محاولة لتوحيد أكبر قدر ممكن من المكونات اليسارية، غير أن الإعلان الحالي حسم الصورة في اتجاه تحالف ثنائي فقط، ما يطرح من جديد حدود إمكانيات توحيد اليسار في السياق المغربي، وتعقيدات بناء جبهة سياسية واسعة تجمع بين مكوناته المختلفة.
وفي هذا السياق، يستحضر نبيل بنعبد الله، الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية، في تصريحات سابقة لـ"الصحيفة"، البعد التاريخي لإشكالية وحدة اليسار، مذكّرًا بأن هذا النقاش ظل حاضرًا منذ عقود، منذ أن كان التيار اليساري يتمركز أساسًا داخل الحزب الشيوعي المغربي قبل تشكل تعبيرات تنظيمية أخرى منذ ستينيات القرن الماضي.
ويرى بنعبد الله أن إشكالية وحدة الصف اليساري تعود اليوم بقوة في ظل التحولات السياسية الراهنة، وما يعتبره جزءًا من الفاعلين فشلًا في تدبير الشأن الحكومي الحالي، إضافة إلى ما يصفونه بإشكالات تمس المسار الديمقراطي وتنعكس على الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية.
لكن مسار التقارب بين مكونات اليسار لم يكن، بحسب المتابعين، سلسا أو مستقيما، إذ يشير بنعبد الله إلى أن الحزب خاض قبل نحو سنتين مشاورات مع الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، توجت بلقاءات على مستوى القيادات الحزبية وتم خلالها التوافق على بلورة وثيقة سياسية مشتركة حول ما سُمي "البديل الديمقراطي التقدمي"، غير أن هذا المسار لم يكتمل، بعد عدم تقديم الوثيقة بشكل مشترك، ما أدى عمليًا إلى توقف المبادرة واعتبارها مرحلة انتهت دون نتائج عملية.
وفي موازاة ذلك، ظل حزب التقدم والاشتراكية يترقب مآلات هذا النقاش الثلاثي المحتمل، في ظل دعوات متكررة لعقد لقاء جامع بين مختلف أطراف اليسار من أجل إعادة إحياء فكرة التنسيق السياسي المشترك. غير أن هذا المسار، إلى حدود اليوم، لم يترجم إلى صيغة تنظيمية واضحة أو اتفاق سياسي شامل.
ويرى جمال العسري في تصريح سابق ل"الصحيفة" أن أحد التحديات المركزية التي تواجه هذا المشروع يتمثل في القدرة على صياغة عرض سياسي يساري موحد قادر على منافسة تأثير المال والسلطة في العملية الانتخابية، مع طرح بديل اجتماعي واضح المعالم، غير أنه يقر في الآن ذاته بأن الانتقال من مجرد التنسيق الانتخابي إلى تحالف سياسي حقيقي ومستمر يطرح إشكالات تنظيمية وسياسية معقدة، خاصة في ما يتعلق بمرحلة ما بعد الانتخابات.
ويضيف العسري أن أي تقديم لمرشح أو برنامج موحد باسم مكونات التحالف يفرض منطق الاستمرارية، وليس مجرد تعاون ظرفي ينتهي بانتهاء الاستحقاقات، وهو ما يجعل النقاش مفتوحًا حول طبيعة هذا المشروع وحدوده السياسية والتنظيمية.
أما فيدرالية اليسار الديمقراطي، فتؤكد أن خيار الوحدة اليسارية بالنسبة لها ليس مجرد تكتيك انتخابي، بل توجه سياسي مبدئي يستند إلى ضرورة بناء قطب يساري منسجم على مستوى البرنامج والرؤية، وهو ما أكدته النائبة البرلمانية فاطمة التامني ل"الصحيفة" قبل أشهر مشيرة إلى أن أي تحالف مستقبلي يجب أن يقوم على وضوح سياسي كامل، يحدد بدقة مواقفه من السياسات العمومية ومن طبيعة الاصطفاف داخل المشهد الحزبي، سواء قبل الانتخابات أو بعدها.
وشددت التامني حينها على أن نجاح أي تجربة وحدوية محتملة لا يرتبط فقط بالشكل التنظيمي للتحالف، بل بمدى قدرته على إنتاج مشروع اجتماعي ديمقراطي متكامل يستجيب لتطلعات المواطنين في العدالة الاجتماعية ومحاربة الفساد وتعزيز دولة القانون، معتبرة أن أي تقارب لا يستند إلى هذا العمق السياسي سيظل محدود الأثر.
وبين طموح إعادة بناء وحدة يسارية متماسكة، وإكراهات الواقع السياسي والتجارب السابقة التي لم تكتمل، يظل "تحالف اليسار"الجديد خطوة تحمل رهانات مفتوحة أكثر مما تقدم أجوبة نهائية، في سياق سياسي يتجه نحو انتخابات 2026 التي يُنتظر أن تعيد رسم جزء من الخريطة الحزبية بالمغرب، وتختبر قدرة الفاعلين السياسيين على تجاوز منطق التشتت نحو مشاريع أكثر انسجاما واستمرارية.




