قبل حكومة "الكفاءات" المتوقعة.. هذه قصّة الوزراء التكنوقراط بعد دستور 2011

أعطى دستور 2011 ونتائج الانتخابات التشريعية المبكرة التي أعقبته، الفرصة لتشكيل حكومة مغربية هي الأقل اعتمادا على الوزراء "التكنوقراط" في تاريخ المغرب.

 ففي 3 يناير 2012، استقبل الملك محمد السادس بالقصر الملكي بالرباط أعضاء حكومة عبد الإله بنكيران المشكلة من 4 أحزاب، هي العدالة والتنمية والاستقلال والحركة الشعبية والتقدم والاشتراكية، حكومةٌ اقتصرت فيها مقاعد التكنوقراطيين على الأمانة العامة للحكومة والوزارة المنتدبة لإدارة الدفاع الوطني ووزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، إلى جانب منصب "شبه تكنوقراطي" لوزارة الفلاحة والصيد البحري، في حين تخلى القصر عن وزارتي الداخلية والخارجية لصالح الأحزاب، بعد سنوات من احتكار الحسم في هوية وزرائها.

لكن هذا الأمر لن يستمر طويلا، فبعد أقل من سنتين على ذلك، وفي حكومة عبد الإله بنكيران الثانية التي عينت في 10 أكتوبر 2013، سيزيد التكنوقراطيون مقاعدهم إلى 8، فيما تضمنت حكومة سعد الدين العثماني 7 تكنوقراطيين سنة 2017.

وعقب الخطاب الملكي لـ29 يوليوز 2019 في الذكرى العشرين لعيد العرش، الممهد لتعديل حكومي يريده الملك قائما على "الكفاءة والاستحقاء" كما ورد في خطابه، يتوقع أن يرتفع عدد التكنوقراطيين في الحكومة الحالية على حساب الوزراء السياسيين، لكن لا أحد يضمن لكتيبة "التكنوقراط" الحالية نجاتها من مقصلة الإعفاء ما دام سؤال "الكفاءة" مطروحا حول هذه الفئة منذ أول حكومة في زمن الدستور الجديد.

وزارة التوفيق

يعد أحمد التوفيق أقدم الوزراء التكنوقراط في الحكومة الحالية، فقد استطاع أن يحافظ على موقعه على رأس وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية منذ تعيينه فيها أول مرة سنة 2002 في حكومة كان يرأسها تكنوقراطي آخر هو إدريس جطو.

وعمر أستاذ التاريخ وعميد كلية الآداب السابق في الوزارة التي تعنى بالشأن الديني طويلا، لدرجة أنها صارت اختصارا تسمى "وزارة التوفيق"، إذ حتى عندما كان الجميع يتوقع أنه سيرحل عنها سنة 2012 تاركا الموقع لشخصية ذات نفس جديد، استمر الرجل المقرب من القصر في موقعه، في إشارة إلى أن الشأن الديني سيظل "موضوع سيادة" على الدوام في مملكة يلقب ملكها بـ"أمير المومنين".

ولا يبدي التوفيق أي مرونة في تنزيل خيارات الدولة في الشأن الديني، والتي يتلقاها رأسا من القصر الملكي، ففي عهده تم تسجيل رقم قياسي من قرارات توقيف وعزل أئمة وخطباء ووعاظ دينيين، بسبب ما اعتبره خلطا للدين بالسياسية، حتى وإن اعتبروا هم الأمرَ مجرد حديث عن قضايا الناس وهمومهم اليومية.

وتوصف "وزارة التوفيق" بأنها الأغنى في المغرب، ليس فقط بفضل ما تملكه من عقارات وحسابات، ولكن أيضا لمخصصاتها السنوية من ميزانية الدولة، والتي بلغت في قانون المالية الخاص بسنة 2019 ما يزيد عن 4 ملايير و634 مليون درهم، غير أن تعويضات الأئمة والخطباء والمؤذنين بالمغرب لطالما كانت نقطة سوداء في الولايات الأربع للوزير الحالي.

لكن الأمر مختلف عن ذلك تماما عندما يتعلق الأمر بما تصرفه وزارة الأوقاف على "ضبط الشأن الديني" في أوروبا، وهو أحد المجالات الحساسة لعمل الوزارة لارتباطه بالهوية الدينية المغربية ومحاربة التطرف، ويغدو التباين أشد عند مقارنة مصاريف المساجد المغربية بمساجد سبتة ومليلية المحتليتن، فهناك يتقاضى الأئمة 6000 درهم مقابل 2500 كحد أقصى لنظرائهم في باقي التراب المغربي.

تكنوقراطي مؤقت

انضم عزيز أخنوش إلى الحكومة لأول مرة سنة 2007، في النسخة التي كان يرأسها الوزير الأول الاستقلالي عباس الفاسي وكان التجمع الوطني للأحرار جزء من الائتلاف المشكل لها، ما مكنه من حقيبة الفلاحة والصيد البحري، لكن انتخابات 2011 التشريعية ستضعه على شفا حفرة من فقدان مقعده الحكومي بعد الصراع المباشر ما بين حزبه وحزب العدالة والتنمية الذي حقق فوزا تاريخيا.

لكن أخنوش سيدخل الحكومة "بقدرة قادر" رغم أن الائتلاف لم يضم التجمعيين، ففي خطوة قيل إن للقصر دور رئيسي فيها، استقال الوزير التجمعي من حزبه ليتحول فجأة إلى "تكنوقراطي" سيستعين به عبد الإله بنكيران في حكومته التي ظل محتفظا فيها بحقيبة الفلاحة والصيد البحري.

ورغم أن حزب "الحمامة" انضم للحكومة في تعديل 2013، ظل أخنوش "تكنوقراطيا" بعد استمراره في "تجميد" عضويته في الحزب، لكنه في 2016 سيحظى بدور سياسي جديد بعد استقالة صلاح الدين مزوار من رئاسة التجمع إثر النتائج الكارثية التي حصدها في الاستحقاق التشريعي، ولم تكن مهمته تعويض مزوار فقط بل أيضا التفاوض مع بنكيران ثم إدخاله في "بلوكاج" سيفضي إلى إعفائه.

يملك أخنوش في الحكومة الحالية صلاحيات واسعة، فهو وزير للفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، كما أنه المتحكم في برنامج تقليص التفاوتات المجالية والاجتماعية واضعا يده على صندوق تبلغ قيمته 50 مليار درهم، لكن خصومه، وخاصة من حزب العدالة والتنمية، يرون أنه رغم انتمائه الحزبي يبقى "وزيرا تكنوقراطيا قادما مع عالم المال والأعمال، فشل في أن يتحول إلى زعيم سياسي".

أم الوزارات التكنوقراطية

لم يكن التحالف الحكومي الذي أعقب انتخابات 2011 التشريعية قادرا على الإعلان عن نفسه لولا الإشارة التي توصل بها بنكيران من القصر، والتي مفادها أن "لا مشكلة لديه في أن تذهب وزارة الداخلية لشخصية سياسية"، عندها فقط استطاع أن ينفذ الطلب الملح لامحند العنصر، الأمين العام لحزب الحركة الشعبية، لكنه سيجد إلى جانبه في منصب الوزير المنتدب أحد رجالات الداخلية القدماء، ويتعلق الأمر بالشرقي الضريس.

لكن الأمر لن يطول كثيرا على هذا النحو، ففي أول تعديل حكومي بعد عام و9 أشهر، ستعود الوزارة إلى الصف التكنوقراطي، حيث سيبدأ عهد محمد حصاد الذي يصفه حقوقيون وسياسيون معارضون بأنه "بداية الردة"، في إشارة إلى التراجع عما حققه حراك 20 فبراير من مكاسب سياسية وحقوقية، إذ ستطغى لغة الهراوات من جديد في مواجهة الكثير من الاحتجاجات، وخاصة في حراك الحسيمة، هذا الأخير الذي سيقتل حصاد معنويا بعد إعفاء الملك له في شتنبر 2017 من منصب وزير التربية الوطنية، على خلفية اعتباره مسؤولا، عندما كان وزيرا للداخلية، إلى جانب مسؤولين حكوميين آخرين، عن تعثر برنامج "منارة المتوسط"، فيما عرف بـ"الزلزال السياسي".

لكن قبل ذلك، وفي التشكيلة الحكومية التي يقودها سعد الدين العثماني، استمرت حقيبة الداخلية في الوفاء لرجالها، بعدما ذهبت إلى عبد الوافي لفتيت، والي الرباط سابقا، والذي لم تكن حصيلته أفضل من حصاد على المستويين الحقوقي والإداري، قبل أن يجبره المرض على التواري طويلا عن الأنظار.

الخارجية.. عودة "الكفاءات"

على عكس الداخلية، ظلت وزارة الخارجية بين أيدي شخصيات سياسية لـ5 سنوات منذ 2011، بداية بسعد الدين العثماني وزيرا والاستقلالي يوسف العمراني وزيرا منتدبا، واللذان سيرحلان معا في تعديل 2013، وسيصبح صلاح الدين مزوار وزيرا للخارجة والتعاون بعد إصراره على ذلك مقابل موافقته على انضمام حزبه للحكومة، لكن فترته التي استمرت لـ2017 لا يتذكر منها المغاربة الشيء الكثير، ما عدا "فعفعته" لنظيرته السويدية سنة 2015 التي كانت حكومة بلدها  تستعد للاعتراف بالبوليزاريو، قبل أن تتراجع عن ذلك.

لكن عودة هذه الوزارة إلى حضن التكنوقراط كانت مسألة وقت فقط، وهو ما تأكد في 6 يناير 2016، حين عين الملك محمد السادس ناصر بوريطة وزيرا منتدبا في الخارجية، ليمسك عمليا كل الملفات الثقيلة لاختصاص جرى "العرف" أن يكون حصريا للملك، قبل أن يتأكد الأمر بتسمية بوريطة وزيرا للخارجية والتعاون الدولي في حكومة سعد الدين العثماني سنة 2017، وإلى جانبه ستصبح منية بوستة وزيرة منتدبة، ثم سينضم إليهما محسن الجازولي في بداية 2018 كوزير منتدب في الخارجية مكلف بالشؤون الإفريقية.

وبدا واضحا أن القصر لم يكن يراهن على الشخصيات السياسية لتحمل مسؤولية وزارة تتطلب ديبلوماسيين خبروا متاريس وفخاخ العلاقات الدولية، خاصة وأن الأوراش التي كانت ستواجههم ذات أبعاد استراتيجية وازنة بالنسبة للمملكة، وعلى رأسها العودة إلى الاتحاد الإفريقي وفتح باب المصالحة مع عدة دول في إفريقيا وأمريكا اللاتينية كانت تصنف في خانة "خصوم المغرب"، ثم التمهيد للعودة إلى المفاوضات المباشرة مع البوليزاريو حول قضية الصحراء.

تعليقات الزوار ( 0 )

أضف تعليقاً

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية) .