قَطِيعُ الفِكرِ الأُحادِي!

مَآزِقُ أنتَجَها "الفِكرُ الأُحادِي" الذي يَحسِبُ أنه وَحدَه يَعرِف.. وأنّ غيرَه خارجَ المَعرِفة..
إعادةُ النظر في مَآزقِ الفِكرِ الأُحادِي..
المُراجَعةُ ضروريةٌ لبناءِ فكرٍ جديد، يُعالجُ مُنزلقاتٍ سابقة، ويَتَجنّبُ تكرارَ أخطاءِ الآباء والأجداد..
إن الماضي لم يكُن كلُّه ذهبيّا وزاهِرًا.. كان أيضا مَشحُونًا بسلبياتٍ كثيرةٍ على صعيد السّلوكيات، نتيجةَ تسريباتٍ مَصلحيةٍ منَ الخارج، وسُوءِ تدبيرٍ في الداخل..
ومن أبرزِ أسبابِها انتشارُ نفسِ التفكيرِ الأُحادِي الذي نجدُه في إيديواوجياتٍ شَعبَوِيّةٍ ببلادِنا..

▪︎ مَقُولةٌ للسّوسيُولوجي المَغربي الكبير، محمد جسّوس: 《إنهُم يُريدُون خَلقَ أجيَالٍ جَديدةٍ منَ الضّباع》..
وقد رَحلَ الرّجُل، وما زالت مَقُولتُه في الذّاكرة..
وإلى الآن، لم يَتَغيّر شيءٌ في عَقليةِ النّخبةِ السياسية.. وجُلّ أحزابِنا، ما زالت كما كانت، على نفسِ المِنوال.. لا ترَى في الانتِخاباتِ إلاّ قطيعًا وبَبغاوَات، رغمَ أنّ هذا ليس كُلُّهُ صحيحًا..
مُجتمَعُنا ليسَ كما تتَوهّمُ بعضُ الأحزاب..
مُجتَمعُنا يتَغيّر..
والأجيالُ الصّاعِدةُ تفهَم أكثر..
وبِها فِئاتٌ تتَظاهرُ بأنّها لا تستَوعبُ ولا تَعِي..
وفي العُمق، تَعرِفُ مُنعَرَجاتِ اللُّعبة..
ومع ذلك، تُواصِلُ "أحزابُ الغَباء" تَنمِيطَ البَشَر، على غرارِ ما فعَلت جِهاتٌ أخرَى، في أَماكنَ أخرى..
والنّتِيجَة: أجيالٌ تِلوَ أجيالٍ تتَوارَثُ عَقليةَ القَطِيعِ والبَبغاوَات..
أجيالٌ ضيّعَها تَواطُؤُ أحزابِنا، وهذه تُضيّعُ أجيالاً صاعِدة..
وعَبرَ قُرُونٍ وقُرُون، نَتَوارثُ اللاّعّقل..
وإلى الآن، نحنُ مُبتَلُونَ بنُخبةٍ حِزبيةٍ هي تُفكّرُ نيابةً عنّا.. وتُقررُ نيابةً عنّا.. وكأنّها هي وحدَها تَملكُ الحقيقة..
بينما هي نفسُها مَشلولةٌ بأوهامِ "التّفكيرِ الأُحادِي"..
وأُحاديةُ التفكيرِ نَجدُها أيضًا في نقاباتِنا وحُكوماتِنا وبرلمانِنا وجَماعاتِنا المَحلّية، وبِمُختلفِ قِطاعاتِنا.. وحتّى في إداراتٍ ذاتِ صلةٍ مُباشرةٍ مع الناس..
فئاتٌ تتَعاملُ مع المُواطنين، وكأنّ الكُلّ لا يَعلَمُون.. ولا يَفقَهُون.. ولا يَعقِلون..
وتتَعاملُ مع الجميعِ بمَنطقِ القَطيع..
وفي هذا، لا تُفرّقُ بين المسؤولية الحزبية في تدبير الحياة العامّة، وبين سياسة تَنميطِ المُجتَمع، عبرَ سياسةِ التّفقيرِ والتّجهِيل..
وهذا أسلوبُ أيّ حزبٍ يُسيّسُ الدّين.. ويقودُ فئاتٍ غيرِ واعِيّة، وكأنها قَوالِبُ مُكرّرة..
ومِن قالَبٍ واحِد، تُنتَجُ قوالبُ عدِيدةً في المُجتَمع.. كائناتٌ تَفرِضُ على الناسِ أن يُفكّروا مِثلَ أجدادِهم، ويَفعلُوا مِثلَهم، وكأنّ السابقين هُم القُدوةُ المُطلَقَة، رغم أن الأجيالّ اللاّحقةَ مُختلِفةٌ عن السابقات..
إنها مَخلوقةٌ لظروفٍ غيرِ ما كان عليه الماضي..
ولكُلّ وقتٍ بناتُه وأبناؤُه..

▪︎ ونحنُ لَسنا رُوبُوتات..
إنّنا مُختَلٍفُون.. بالطّباعِ مُختَلٍفُون.. وبالعقلية.. والمُيُول.. والآليات.. والخَلفياتِ المَعرفيةِ والسّلوكية.. ونَطمَحُ لغَدٍ أفضَل..
لكنّ هؤلاء لا يَرَون فينا إلاّ نمُوذجًا بشريّا واحدا، وكأنّنا كُلّنا نُسخَة طبقَ الأصل..
وليس كلّ واحدٍ منّا نسخةً من الآخر..
لا نُفكّرٌ جميعُنا بطريقةٍ واحدة..
ولا نعقلُ بطريقةٍ واحدة..
وفي عُقولنا مَعلوماتٌ قد تكونُ واحدة.. ولكنّ التحليلاتِ والآراء تختَلف.. ليست على نمَطٍ واحد..
والحزبُ هو يُصدٍرُ ما تُشحَنُ به أدمِغتُنا..
إنهُم لا يَريدُوننا أن نكُون مُتنوّعين.. مُتعدّدين..
يَريدُوننا أن نكُون رُوبُوتاتٍ تُردّدُ ما يقُولون..
ومَن فينا، له شخصيةٌ مُستَقلّة، ورأيٌ مُستقِل، وفكرٌ يتّسمُ بسُلطةِ القَرار، هذا يُساءُ فَهمُهُ والنّظَرُ إليه..
هُم لا يَقبَلون إلا عقليةَ القطيع..
وهذه تعنِي التّبَعيّة.. أن نكُونَ تابعينَ غيرَ مَتبُوعِين..
وعلى هذا المِنوال تُقامُ التّربيةُ والتّعليم..
ومنَ الأسرةِ تَترسّخُ التّبَعيةُ في الناشِئة: تطبِيقُ ما يقُولُه الأبُ والأمّ، وبعدَهُما المُجتَمعُ والمَدرَسة..
الكلّ يَشحَنُ الأطفالَ بأن يكُونَ التقليدُ هو المِنهاجُ المُشترَك.. بلا نقاشٍ ولا فِكرٍ ناقٍد..
وهكذا تَنشأ أجيالٌ تُردّدُ كالبَبغاءِ ما يُقال..
ببغاواتٌ تُعِيدُ ما تَلَقّنَت، ولا تَعقِل، ولا تُغَربِل..
ولا تُبدِي رأيًا مُختَلِفا، ولو كان رأيًا سديدًا: والبَبغاواتُ بهذا الضغطِ والفكرِ الأُحادي، تَنحَرِفُ بالمُجتَمع، حتى لا يرَى الناسَ إلاّ بصُورةٍ نَمَطيّة..
ويتعاملُ مع العالَم وكأنه كيانٌ واحد، وعقليةٌ واحدة، ولا يفعلُ إلاّ ما يُقالُ له..
يُطبّقُ الأوامِر.. دُونَ أن يَعقِلَها..

▪︎ هذا مَرَضٌ فكري..
خطأ أوقَعَنا فيه الفكرُ التقليدِي الجانحُ إلى ما يُسمَّى "الفكر الأُحادِي"..
طريقةٌ تقزيميةٌ جاءت بها الكنيسة، ثم انتَقلت إلى العالَم الإسلامي، مُرورًا بالعَصر الأمَوِي.. وإلى الآن، ومُنذُ قُرُون، ونحنُ في خِضَمّ تَسيِيسِ الدّين..
وها هي النُّخبُ "السّياسيةُ والاقتِصادية" تعتقد أنها وحدَها تُفكر، وتَملكُ الحُلول، وتَملكُ الحقيقة..
وهذا هو الوَهمُ الذي انتقل إلى أحوالِنا التي يُقال فيها إنها سياسية، وهي ليست سياسية بمفهوم خدمة الوطن والمُواطن، بل هي تعتقد، وهذا مجردُ اعتقاد، أنها وحدَها مُخَوَّلٌ لها بالتفكير والتّقرير باسْمِ كلّ البلد..
وهذا الاحتِكارُ التفكيري انتَقلَ إلى بعضِ الجامعات..
تفكيرٌ أُحادِي مُنتَشرٌ أيضا في البرلمان والجماعات المحلية والجامعاتِ والحكومةِ ومُؤسساتٍ أُخرى… وحتّى في عَيّناتٍ منَ القِطاعِ الخاصّ..
هو تَقصيرٌ في حقّ الكفاءات العِصامية التي اعتمَدت على نفسِها، وعلى مجهودِها الخاصّ، لاكتِساب مَهاراتِ تطويرِ مُؤهلاتها..
وتقصيرٌ أيضا في حقّ مُفكّرِين وأدباءَ وصحافيّين وإعلاميّين، ومُخترعِين، ومُبتكِرين، ومُبدِعين، ومُنظِّرينَ في مُختلف المَجالات…

▪︎ ولا نَنسَى التّعليمَ العُمُومي!
إنه طريقُنا إلى تَوعيةِ كلّ فئاتِ المُجتَمَع، لكي تكُون عندنا انتِخاباتٌ واعِية، بعيدةٌ عن تَضليلِ الفُقراءِ والمُحتَاجِين، وعن تقريرِ فِكرٍ أُحادي..
والمَدرَسةُ طرِيقُنا إلى ديمُقراطيةٍ حقيقيّة، لا مُفَبرَكَة..
فَتحُ الأبوابِ التّعليمية للجَمِيع، فُقراءَ وأغنِيّاء..
إعادةُ المِصدَاقية للمَدرَسةِ العُمُومية..
ولكُلّ الشّهاداتِ الجامِعيّة..

▪︎ ولا نسيانَ للتّعلِيمِ الذّاتي: التّعلِيمُ عن بُعد.. وهذا يَستوجِبُ إقرارَ العدَالةِ الاجتِماعية، كما هي مَعمُولٌ بها في الدّول التي تَفصِلُ بين الدّينِ والسياسة..
يقولُ الفِيزيائي "ألبِرت إنشتاين":
《التعليمُ المَدرَسي سيَجلُب لك وظِفية، أما التّعليمُ الذّاتِي فسيَجلُبُ لكَ عَقلاً》..
وفي نفس السّياقِ أيضًا، يقولُ "إسحاق عظيمُوف" الكيميائي الرّوسي: 《التعليمُ الذاتي، هو التّعليمُ المُثمِرُ الوَحِيدُ على وَجهِ الأرض》..

السبت 6:00
غيوم متفرقة
C
°
10.04
الأحد
13.61
mostlycloudy
الأثنين
12.61
mostlycloudy
الثلاثاء
13.38
mostlycloudy
الأربعاء
12.06
mostlycloudy
الخميس
13.23
mostlycloudy