كتاب جماعي يرصد تأثير الدبلوماسية الملكية على مسار قضية الصحراء
يتناول كتاب جماعي بعنوان "الدبلوماسية الملكية وقضية الصحراء المغربية"، والذي أشرف على تنسيقه الأكاديميان العباس الوردي محمد عصام العروسي، تطور قضية الصحراء من زوايا متعددة تشمل الأبعاد القانونية والسياسية والاقتصادية، إلى جانب التحولات الجيوسياسية الإقليمية والدولية التي أثرت بشكل مباشر في مسار هذا النزاع، ويأتي هذا العمل في سياق تراكم معرفي وأكاديمي يسعى إلى تعميق فهم خلفيات القضية وأسباب استمرارها، مع إبراز مركزيتها باعتبارها القضية الوطنية الأولى للمغاربة.
ويرتبط صدور هذا المؤلف بالذكرى الخمسينية للمسيرة الخضراء، التي شكلت محطة مفصلية في تاريخ المغرب الحديث، حيث نجح الملك الراحل الحسن الثاني في تحويل معادلة دولية معقدة إلى واقع ميداني تُوِّج باسترجاع الأقاليم الجنوبية سنة 1975 من الاستعمار الإسباني، ويستحضر الكتاب استمرار دينامية البناء والتنمية في هذه الأقاليم تحت قيادة الملك محمد السادس، في إطار رؤية متجددة تعزز موقع المغرب إقليمياً ودوليا.
ويقدم الكتاب إضافة نوعية في مجال الدراسات المرتبطة بقضية الصحراء، خاصة من خلال تركيزه على الدبلوماسية الملكية باعتبارها أحد أبرز مفاتيح فهم التحولات التي عرفها الملف، لاسيما منذ وقف إطلاق النار سنة 1991 إلى غاية طرح مبادرة الحكم الذاتي سنة 2007. ويبرز هذا التوجه أهمية التحركات الدبلوماسية في كسر حالة الجمود السياسي والعسكري التي طبعت مراحل طويلة من النزاع.
ويتوزع محتوى الكتاب على سبعة محاور رئيسية، تشمل مسار تطور القضية بين الروابط التاريخية والإجماع الداخلي والاعتراف الدولي، ومواقف دول الجوار المغاربي خاصة الجزائر وموريتانيا وليبيا، إضافة إلى تحليل دور الدبلوماسية الملكية خلال ستة وعشرين سنة من حكم الملك محمد السادس، واستثمار المغرب للتحولات الإقليمية والدولية، إلى جانب التعاطي مع المنظمات الدولية والإقليمية، وأفق التسوية في إطار القانون الدولي، وصولاً إلى مشروع الحكم الذاتي كحل واقعي لإنهاء النزاع.
كما يتطرق المؤلَّف إلى دور الفاعلين الإقليميين والدوليين في إطالة أمد النزاع، مع التركيز على مواقف دول الجوار، خاصة الجزائر التي يُبرز الكتاب استمرارها في تبني أطروحة عدم الانخراط المباشر رغم دعمها لجبهة "البوليساريو"، وفي المقابل، يرصد التحولات التي شهدتها مواقف القوى الدولية، والتي باتت تميل تدريجيا نحو دعم الحلول السياسية الواقعية.
ويحلل الكتاب تطور التعاطي الأممي مع القضية، من خلال استعراض قرارات مجلس الأمن وتقارير الأمناء العامين للأمم المتحدة، والتي انتقلت من خطاب متوازن بين الأطراف إلى توجه أكثر وضوحا نحو تكريس الحل السياسي القائم على التوافق، ويشير إلى أن القرارات الأممية لم تعد منذ سنوات تتبنى خيار الانفصال، خاصة بعد تعثر مخططات التسوية السابقة وطرح المغرب لمبادرة الحكم الذاتي.
ومن أبرز التحولات التي يقف عندها الكتاب الاعتراف الأمريكي بمغربية الصحراء سنة 2020، والذي اعتبره منعطفا حاسما في مسار القضية، إلى جانب نجاح المغرب في تأمين معبر الكركرات، وما واكب ذلك من تحركات دبلوماسية نشطة عززت من موقع الرباط داخل النظام الدولي، عبر تنويع شراكاتها والانفتاح على قوى دولية كبرى وصاعدة.
ويخلص المؤلف إلى أن الدبلوماسية الملكية لعبت دورا محوريا في تحقيق مكاسب متتالية، من خلال بناء توافق دولي متزايد حول مبادرة الحكم الذاتي، التي باتت تُطرح كحل عملي وواقعي للنزاع، كما يؤكد أن هذا المسار يستند إلى شرعية تاريخية وقانونية وسياسية وثقافية، تعززها تعبئة وطنية شاملة، وتضع السيادة المغربية على الأقاليم الجنوبية في صلب أي تسوية مستقبلية.




