كورونا بين السلطوية والشعبوية والحرب الباردة

يرى بعض المحللين من أن الشعبوية ستستفحل في أعقاب العالم الذي ستتمخض عنه جائحة كورنا، إلا أن نظرة فاحصة تفيد بأن الأنظمة الشعبوية تعرف اهتزازاً في غمرة أزمة كورونا، من الولايات المتحدة إلى البرازيل، مروراً ببولونيا وهنغاريا، دون أن ننسى روسيا.
لعل مصدر تنبؤ بعض التحليلات باستفحال الشعبوية هو خلطها بالسلطوية، أجل، تفيد التحاليل بأن السلطوية ستترسخ، وتصبح منظومة عمل سارية، وتزري بالديمقراطية. وفي جميع الحالات نحن في وضع تتراجع فيه الممارسة الديمقراطية، وتصبح بصفتها قيمة موضع انتقاد ومساءلة. واقع الحال يفنّد نبوءة فوكوياما تلك التي رفعها قبل ثلاثين سنة حين إعلانه بنهاية التاريخ مع "انتصار" قيم الديمقراطية والسوق.

جائحة كورونا فرضت إجراءات قسرية على المواطنين أشدّ ممَّا قد تفرضه الحروب، ومنحت السلطات العمومية صلاحيات واسعة من أجل اتخاذ إجراءات استعجالية دونما لجوء إلى الإجراءات الاعتيادية في الديمقراطيات.

وتزامن ذلك مع تدابير صارمة من قِبل السلطات الأمنية تكاد أن تكون شبيهة بتلك المتخذة لمواجهة الإرهاب، أو في حالة نشوب عمل إرهابي. تتوارى إمكانية المواطنين في الطعن من أجل الشطط في استعمال السلطة في الديمقراطيات، أو أي شكل من أشكال التظلم. أما في الأنظمة الهجينة التي لم تستوِ فيها الديمقراطية، أو الأنظمة السلطوية، فقد أعطت جائحة كورونا ذريعة لطمس مطالب فاعليات المجتمع المدني الاجتماعية والسياسية.

وإذا كانت غالبية الشرائح والقوى الحية تتفهم الإجراءات الاحترازية الضرورية دونما خضوع للضوابط المعتادة، وما يستتبع ذلك من التقليص، مرحلياً، من الحرية، فإن فاعليات عدة تتخوف من أن ما هو إجراء استثنائي مؤقت سيصبح هو القاعدة، باسم الفاعلية، ودور الدولة المتدخلة، والمصلحة العليا، ويحذرون مما حدث بعد 11 سبتمبر من هيمنة الأجهزة الأمنية.

لا يمكن طبعاً المجادلة في شرعية التدابير الأمنية التي عمت العالم بعد 11 سبتمبر من أجل التصدي للإرهاب، ولكن من الأضرار الجانبية لذلك التحول استفحال السلطوية. ويُعتبر العالم العربي حالة مدرسية لاستقواء السلطوية في أعقاب 11 سبتمبر، مع تغوُّل الأجهزة الأمنية وتراجع القوى الديمقراطية التي كانت تستمدّ دعمها من مراكز غربية وخطاب الغرب حينها حول قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان.

على غرار ما وقع بعد 11 سبتمبر، تتخوف اتجاهات عدة من أن ما بعد أزمة كورونا سيعزّز السلطوية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، ويمنحها مُسوّغاً، باسم التصدي للجائحة، والتداعيات الاقتصادية والمالية السلبية المحتملة، بما فيها الدول المصدّرة للبترول.

وستعرف الدول التي تعتمد على السياحة، كالمغرب وتونس ومصر والأردن، انكماشاً اقتصادياً، فضلاً عن نقص تحويلات العمالة في الخارج، بالنظر إلى الارتفاع المرتقَب للبطالة في الغرب. وتحتاج غالبية الدول في العالم العربي إلى فترة زمنية لا تقلّ عن خمس سنوات لإعادة هيكلة اقتصادها، بالنظر إلى الآثار السلبية على اقتصاداتها من جهة، وتغيير العلاقات الاقتصادية العالمية، مما سيعطي مبرراً للحكومات لاتخاذ إجراءات زجرية، والحدّ من الاحتجاجات وتكميم الآراء المعارضة.

ستغدو منظومة العمل على غرار ما ساد في مصر جمال عبد الناصر: "لا صوت يعلو على صوت المعركة"، أي إن الموجة الثانية للربيع العربي التي بزغت قبل سنة ونيف، في كل من الجزائر والسودان، ثم مع لنبان والعراق، ستعرف جَزْراً.

لكن الشعبوية التي ينعتها البعض بكونها مرض الديمقراطية، وتبرز بالأساس في أنظمة ديمقراطية تخضع لقواعدها من أحزاب وانتخابات وتداول على السلطة، تعرف أزمة مع فشل حكومات شعبوية في التعاطي مع جائحة كورونا، واستسهالها للأزمة بادئ الأمر، واستفحال الوضع بعدها، كما في الولايات المتحدة، أو البرازيل، أو حتى بريطانيا، دون أن ننسى هنغاريا.

قد تُفضِي الشعبوية إلى السلطوية، لكنها تتمايز منها. يظل مصطلح الشعبوية مصطلحاً غائماً، وغالباً ما يُقرَن بالاتجاهات اليمينية في أوربا، والحال أن هناك شعبوية يسارية كتلك التي سادت في فنزويلا مع هوغو تشافيز أو حزب بوديموس الإسباني أو سيزيكا اليوناني.

طبعاً صوت الشعبوية اليمينية هو الذي يعلو، ويجد هذا الصوت مبرره في شيطنة الآخر. المسوغ الأساسي للشعبوية اليمينية هو الآخر، وهو يتمثل في النخبة المجتثة الجذور من الشعب، والهجرة التي تجعل منها الاتجاهات الشعبوية مشجباً لكل المشكلات.

"الآخر" بثقافته، ومرجعيته، وفي الغالب هو الإسلام والمسلمون، يُحمَّل مسؤولة تردِّي الأوضاع الاقتصادية والأمنية في أوربا، فضلاً عن تهديديه "صفاء" الغرب، من مرجعية مسيحية، أو صفاء الإنسان الأبيض. ظهر ذلك جليّاً في خطاب ترامب في أثناء حملته، إذ امتزج لديه شيطنة الآخر المسلم، والمهاجر من أمريكا اللاتينية الذي يتهدد "الإنسان الأبيض" ذا المرجعية المسيحية، الدعامة التي قامت عليها الولايات المتحدة قبل قرار الحقوق المدنية لسنة 1965، الذي سوى ما بين البيض والسود.

مع الجائحة يعسر نصب "الآخر" مسؤولاً عن وضع متردٍّ. لا يتوارى "الآخر"، كما حدث في خطاب اتجاهات ضئيلة في إيطاليا التي اعتبرت الجالية المغربية مسؤولة عن تفشي جائحة كورونا، لكن ذلك الاتهام ظل هامشياً، واهتزت الأحكام المسبقة، أمام وجود أعداد كبيرة من الأطقم الصحية من أطباء ومسعفين من العالم العربي والإفريقي، في كل من فرنسا وبريطانيا وإيطاليا، وحتى في الولايات المتحدة، ومنهم من توُفّي في خضم مواجهة الفيروس. يتحول "الآخر" في خطاب الولايات المتحدة، والغرب عموما، مع جائحة كورونا، ليصبح هو الصين، التي، حسب الخطاب الغربي، أخفت حقائق، ومنها أن مصدر الفيروس مختبر في يوهان الصينية.

لم يعد "الآخر" هو المسلمين، ولا المهاجرين من المكسيك الذين يتهددون المجتمع الأمريكي أو الغربي عموماً، بل الصين التي تتهدد سؤدد الغرب والزعامة الأمريكية. انتقلت الصين في منظور الولايات المتحدة، من الحليف الاستراتيجي في عهد كلينتون، إلى الخصم الاستراتيجي في عهد أوباما، لتصبح العدوّ الاستراتيجي مع إدارة ترمب.

أجّجت جائحة كورونا التنافس ما بين الصين والولايات المتحدة، ونقلته من طور إلى آخر، حسب ما تَكهَّن به بعض الاستراتيجيين من احتدام الصراع ما بين متنافسَين، كما يقول بذلك عالم السياسة الأمريكي غراهم أليسون Grahm Allison من جامعة هارفارد حول ما يسميه "فخ ثوسيديدس"، وهو المؤرخ الإغريقي الذي كتب عن حرب البليبونيز التي أنهت سؤدد أثينا في صراعها مع إسبرطة. ومقتضى فخ ثوسيديدس هو أن بزوع قوة جديدة على الساحة، يُفضي حتماً إلى المواجهة. لقد أضحى مصطلح فخ ثوسيديدس سارياً، وتدحض الصين في خطابها الرسمي احتمال فخ ثوسيديدس، أي إنها ترفض حتمية المواجهة.

تعود الحرب الباردة إذاً في شكل جديد. التاريخ لا يكرر نفسه، بل يتلعثم، يأتي في صورة تراجيديا، أول الأمر، يعود في صورة ملهاة ثاني الأمر، وفي جميع الحالات لن يكون العالم بالصورة التي بشّر بها فوكوياما، وستطبعه عودة السلطوية، وتواري الديمقراطية.

وقد تكون تلك اعتبارات من أجل التفكير في "النموذج الغربي"، الذي قُدم في أعقاب سقوط حائط برلين بكونه نموذجاً كونياً، سينقل البشرية من الصراع إلى الملل. والحال أن البشرية لم تعرف الملل منذ سقوط حائط برلين، وهي تورية للتدليل على الاستغلال والحروب والاعتداء واستنزاف الموارد الطبيعية. لا بد من عقد اجتماعي كوني غير ذلك الذي أعقب الحرب العالمية الثانية، ويشهد على ذلك فشل الأمم المتحدة، وإلا فإن الحرب الباردة والسلطوية ستستمران ولو في أشكال جديدة.

المصدر: TRT عربي