"كُورُونَا": إدارةُ القُربِ عن بُعد!

"كُورُونَا" دخلت ببِلادِنا في اختبارٍ نجاعةِ "إدارةِ القُرب"..
الحاجَةُ إلى فعاليةِ العَملِ الإداري عن بُعد..
وهذا هو القُربُ المطلوبُ من مُؤسّساتِ الحكومة، بناءًا على مَطالبِ المُواطِن..
ولا سبيلَ إلاّ تقريبُ البُعد، لكي يكُون البعيدُ قريبًا.. إنها مُصالحةٌ بين الإدارةِ والمُواطِن.. مِصداقيّةٌ وثقةٌ وتعاوُنٌ من أجل جودةِ الخدماتِ الإدارية، مع سُرعَتِها، وتَجنّبِ أيّ من مَظاهرِ التماطُلِ والتّهاوُن واللاّمُبالةِ والفساد..
هكذا يُريدُ المُواطنُ العملَ الإداري.. إدارةٌ يشتغلُ فيها موظّفُون أكفاء، نُزهاء، جادّون.. لا إداريون فاسِدون..
ومع مُفسدين بهذه القَتامةِ والرّداءة، يَستحيلُ أن يَستمرّ اللاّتَشافِي ببلادِنا..
إنّ جُرثومةَ "كُورُونَا" نفسَها أصبحت مُحرّكا للدفاع عن الحياة.. وها هي تُحَرّكُ كلّ البشَر.. والشعورُ العامُّ بالخطَر، يَفرِضُ تغيِيرًا شاملاً لم يَسبِق له مثِيل في حياتِنا اليوميّة.. والعالَمُ يَعِي أنهُ مُداهَمٌ بالخطَر.. فإما أن يَتغيّر من تلقاءِ نفسِه، وبِقرارٍ ذاتي، وقناعةٍ شخصيّة، أو يقضِي على نفسِه بالسقوطِ في النهاية..
وإداراتُنا يجبُ أن تواكبَ هذا الإصرارَ الوطني على التغيير..
إصرارٌ شامل لا يَستثنِي أحدا، ولا أيةَ مؤسّسة.. الكلّ معنيّون بضرورة التّغيير في طريقةِ التفكير، وعقليةِ العمل..
وها هي تغييراتٌ تحصُلُ تدريجيّا في حياتِنا اليومية، سياسيا واقتصاديا واجتماعيّا وثقافيا، وفي كل ما هو علاقةٌ بين الإدارة والمُواطن..
ونحن مثلَ بقيةِ العالم، لا خيارَ لنا إلا أن نتغيّر، وإلاّ غيّرَتنا الظروفُ الحياتيةُ المُتواتِرةُ التي تتَعقّد يومًا بعدَ آخر..
وإداراتُ الغد، لن تكُون هي إدارات اليوم..
إداراتُ اليوم وريثةٌ لأنواعٍ وأشكالٍ من الخلَل التقليدِي الذي وصَلَنا منَ الأمس، وما زِلنا بصددِ "تقديس" الإقطاعيّة، والتقليدِ السّلبي، والمُرتشِين، والمسؤولينَ عن سُوءِ التّدبيرِ والتّسيير، وكأنّ الخدماتِ الإداريةَ هي هكذا دائما.. هكذا كانت وتكُونُ وسوف تكُون.. وهذا تقيِيمٌ غيرُ سليم.. غيرُ طبيعي..
الإدارةُ يجب أن تتغَيّر..
وقد وصلَ العالمُ إلى عصر "الحُكومةِ الإلكترُونية".. وهذه هي إدارةُ القُرب.. إدارةٌ تشتغلُ عن بُعد، وتُقدّم خدماتِها عن بُعد، لتحقيقِ نتائجِ القُرب، لفائدةِ الإنسان..
القُربُ الإداري يتحقّقُ معها عن بُعد..
وهذه الإدارة التي دخلت لحياتِنا، عبرَ البوّاباتِ الإلكترُونية..
العملُ الإداري الإلكترُونِي سيكُونُ أكثرَ سرعة، ويُحافِظُ على الوثائقِ المطلوبة، وما فيها من معلُومات..
ويستطيعُ أيّ مُواطن أن يَستخرجَ وثائقَ إدارية، ولو كان في أقصَى العالم..
وهذه الوثائق الإدارية، تُقدّمها الحكومةُ الإلكترونية.. إدارةٌ تتَميّزُ بدقةِ وسرعة الإنجازِ والخدمات..
وتَستطيعُ استِخراجَ أية وثيقة أنت بحاجة إليها..
وبهذا يتمّ تمتينُ علاقاتِ المُواطِنِ مع الإداراتِ العُمومية، وأيضا تَقوّية الثقة..
وتنتهي الخدماتُ الورَقيّةُ التّقليدية، وتتقوّى الخدماتُ الإلكترونية، وبالتالي تتوقف الحواجزُ العمَليّة والنّفسية للمُواطنين تُجاهَ إداراتِهم.. وأكثر فأكثر، تتحسّنُ الخدماتُ الإدارية، وتتّسمُ بالبَساطة والفعالية..
إدارةُ القُرب هذه بَدأت تشتَغل من بعيد، وبتوظيفِ التكنولوجيا التواصُلية الحديثة..
ها هو العالَمُ يتحرّك أكثر..
ويجبُ أن نَنخرطَ بسُرعة في هذا العالمِ الجديد الذي يُواصلُ طريقَه بدُون استِئذان، ويقودُ إداراتِنا إلى ما يَخدُم الإنسان، أيَّ إنسان..
 العملُ الإداري الإلكترُونِي لا عُطلةَ له ولا استِراحة.. ودورُه أن تَشتغلَ الحَواسِب، وتُنجزَ وثائقَ الحُقوق والواجِبات..
الإدارةُ الإلكترونية تشتَغل، والمُوظفُ الآدمي يُفكرُ ويرسمُ الخُطوطَ العريضة، والسياساتِ العامّة..
الإنسانُ يُحدّدُ المَطلوب، والروبوتُ يُنفّذ..
هذا هو العالمُ الإداري الجديد الذي قد بدأ، وسوف يتطوّرُ ببُطء، وفعَالية..
وأكثرَ فأكثر تَبرُزُ أهميةُ التعاوُن بينَ الإنسانِ والإنسانِ الآلي، في كل المجالاتِ والقِطاعات..
رَقمياتٌ ستغزُو مُختلفَ إداراتِنا..
عقلٌ بَشري يُسيّر، وعقلٌ إلكتروني يُنفّذ..
وإذا لم نُبادر إلى تطوير إداراتِنا، على أساسِ هذا التنسيقِ والتكامُل بين الدّماغِ الإنساني والدّماغِ الآلي، فسوف يقعُ لنا انحِباسٌ في مَسيرتِنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية..
مُستحيلٌ أن نشتغلَ وحدَنا.. سنَشتغلُ مع شُركاءَ جُدُدٍ هُم حاليا بصددِ إعدادِهم التكنولوجي للتّسيِير الشاملِ لكُلّ إداراتِ البلد..
إنّنا في عالمٍ يَهتزّ تحتَ أقدامِنا، وفوقَ رؤوسِنا..
عالَمٌ بحجمِ غُرفة صغيرة، وهي تُديرُ الشؤونَ العامة والخاصة..
عالَمٌ آلي هو ضرورةٌ قُصوَى لحياتِنا اليومية..
ولسنا وحدَنا في هذه التعقيدات التي علينا واجبُ فكّ رُموزِها لكي نَتغيّر، ونَتطوّر.
 ولكي نُقنِع أدمغتَنا الآلية، بأنّنا في مستوى الشركاءِ المؤهّلين للتعاونِ بين بَشرٍ وآلات، علينا بتطويرِ البحثِ العِلمي.. وإنشاء مراكزَ بَحثِيّةٍ في دُروبِنا وأحيائنا ومُدُنِنا وقُرانا..
وجيشٍ من الآلاتِ العاقِلة..
وغيرُ مقبول أن يكون لنا شبابٌ مُؤهّلون لخوضِ التّقنياتِ الرّقمية، وهُم مَترُوكون للبطالةِ والإهمالِ واللامُبالاة..
هؤلاء طاقةٌ إبداعية قادرةٌ على الالتحاقِ الوطني بالقافِلة الآلية العاقِلة..
وبلدُنا بحاجةٍ إلى مزيدٍ من الأدمغةِ البشرية.. والكفاءاتِ العاليّة..
لكي نكُونَ في مستوى العَصرِ الجديد..
  - عَصرِ ما بعد "كُورُونا"!

[email protected]