بد.محمد كرواوي
الجمعة 11 شتنبر 2026 - 0:30

لماذا اختار العسكر الجزائري القطيعة مع دولة الإمارات العربية المتحدة؟ 

أعلن النظام العسكري الجزائري رسميا قطع علاقاته الدبلوماسية مع دولة الإمارات العربية المتحدة وإمهال سفيرها 48 ساعة لمغادرة البلاد، بالتزامن مع قرار وزارة الدفاع الجزائرية إغلاق الأجواء فورا أمام الطائرات الإماراتية العسكرية والمدنية. وبينما برر النظام العسكري الجزائري هذه الخطوة المتطرفة بوجود ما وصفته بالتصرفات العدائية والاستفزازية المتزايدة من قبل أبوظبي، التزمت الدولة الخليجية بنهج رصين، حيث تطلعت وزارة الخارجية الإماراتية في بيانها رسميا لأن يكون هذا القرار مؤقتا، فيما انتقد المستشار الدبلوماسي الرئاسي أنور قرقاش منطق الألغاز والإشارات، مؤكدا أن الدبلوماسية تدار بالعقل والمصالح.

إلا أن القراءة المعمقة للوقائع والتقارير الدولية تكشف أن الهجوم الإعلامي الرسمي الذي شنه النظام العسكري الجزائري محاولا إدراج الأزمة في سياق مناهضة التطبيع، لا يعدو كونه واجهة دعائية للاستهلاك المحلي، فالواقع يثبت أن المحرك الفعلي والوحيد لهذه القطيعة هو الدعم الإماراتي الصريح والكامل للوحدة الترابية للمملكة المغربية، بالتوازي مع الانهيار الكامل للمقاربة الأمنية التي يتبناها النظام العسكري الجزائري في منطقة الساحل الإفريقي لصالح نموذج التنمية والازدهار.

مغربية الصحراء والضربة الإماراتية القاصمة لأطروحة الانفصال الإرهابي 

يجمع المحللون الدوليون ومراكز الدراسات الإستراتيجية على أن الموقف الإماراتي الصارم والمبدئي تجاه ملف الصحراء المغربية هو السبب الحقيقي والوحيد لغضب النظام العسكري الجزائري، حيث يرفض النظام العسكري الجزائري الاعتراف بالواقعية السياسية الجديدة للمنطقة، ويصر على استنزاف ثرواتها في رعاية وتمويل جبهة البوليساريو الانفصالية.

وقد تجسد هذا الدعم الإماراتي الفعال في خطوات إستراتيجية حاسمة، أبرزها الدبلوماسية القنصلية الفاعلة حيث كانت الإمارات في طليعة الدول العربية التي افتتحت قنصلية عامة لها في مدينة العيون بالأقاليم الجنوبية المغربية، مما شكل اعترافا سياسيا وقانونيا لا لبس فيه بمغربية الصحراء.

كما ضخت أبوظبي استثمارات هائلة وغير مسبوقة لدعم البنية التحتية والمشاريع التنموية الكبرى في الصحراء المغربية، وعلى رأسها المساهمة في تشييد ميناء الداخلة الأطلسي إستراتيجي الأبعاد، وأنبوب الغاز الضخم، وهي مشاريع تنموية نقلت المنطقة إلى مركز جذب اقتصادي عالمي وحيدت مشروع الانفصال تماما.

هذا الاصطفاف الإماراتي الذكي والتنموي إلى جانب الرباط أسقط القناع عن الدبلوماسية التقليدية التي ينهجها النظام العسكري الجزائري، والتي رأت في النجاحات المغربية الخليجية المشتركة تفكيكا كاملا لرهاناتها التاريخية الموروثة من حقبة الحرب الباردة.

التناقض الصارخ والسعي الجزائري السري نحو قنوات الاتصال الخلفية

تكمن المفارقة الكبرى والأكثر إثارة في سلوك النظام العسكري الجزائري في محاولته المستمرة لتسويق الأزمة مع الإمارات على أنها رد فعل على اتفاقيات أبراهام ومسار التطبيع، غير أن التقارير الاستخباراتية والمسارات الدبلوماسية تكشف عن واقع مغاير تماما، فالنظام العسكري الجزائري، مدفوعا بعزلة دبلوماسية خانقة وتراجع نفوذه الإقليمي، تحرك في مناسبات عدة عبر قنوات خلفية ووسطاء دوليين سعيا لفتح خطوط اتصال مباشرة وغير معلنة مع قوى فاعلة وشريكة في المنظومة الإقليمية والدولية ذاتها.

وتتمثل هذه القنوات في مسارات محددة، أبرزها قناة الإدارة الأمريكية ومبعوثيها حيث كشفت تقارير معهد المدارات الإستراتيجية عن تحركات ووساطة غير معلنة قادها مستشارون أمريكيون كبار زاروا البلاد في مناسبات سرية لبحث صيغ تفاهم، وتتلخص مصلحة النظام العسكري الجزائري هنا في حماية نفسه من العزلة، ومحاولة هندسة صفقات أمنية واستخباراتية مع قيادة القوات الأمريكية في إفريقيا (أفريكوم) لضمان اعتراف واشنطن بدور إقليمي له مقابل تقديم تنازلات وتحت الطاولة.

كما سعى النظام العسكري الجزائري لتوظيف الفواعل الاقتصادية الأوروبية عبر قنوات فرنسا وإسبانيا كخطوط اتصال خلفية لإيصال رسائل تهدئة إلى الأطراف الإقليمية، بهدف المقايضة بملف الغاز والهجرة غير الشرعية مقابل الحصول على غطاء سياسي أوروبي يضمن بقاء أركان الحكم وشرعيته المهتزة داخليا.

إن هذا التوجه السري يثبت أن المعارضة العلنية للنظام العسكري الجزائري للمسارات الدبلوماسية الحديثة ليست موقفا مبدئيا، بل هي مجرد أدوات لابتزاز الأطراف الإقليمية ومحاولة التغطية على الأزمات الداخلية الخانقة، فالنظام العسكري الجزائري لا يجد حرجا في السعي نحو تقديم تنازلات في الغرف المغلقة لضمان بقائه، بينما يستعمل شعارات الممانعة المزعومة في العلن لشحن الرأي العام وصرف الأنظار عن إخفاقاته.

تفكك الهيمنة وفشل الرهانات في منطقة الساحل الإفريقي

يمثل الجوار الجنوبي، وخاصة مالي والنيجر، المسرح الأبرز للفشل الإستراتيجي القاتل للنظام العسكري الجزائري، حيث شهدت المنطقة تحولات راديكالية لفظت فيها الأنظمة العسكرية الجديدة في باماكو ونيامي بالكامل الوصاية والغطاء التقليدي الذي كان يفرضه النظام العسكري الجزائري.

ويرجع هذا الفشل وانهيار النفوذ إلى عوامل جوهرية، أبرزها موت اتفاق السلام وعقيدة تصدير الأزمات، فلعقود طويلة، اعتمد النظام العسكري الجزائري في الساحل على مقاربة منحطة  تقوم على رعاية الجماعات المتمردة واستخدامها كأوراق ضغط لابتزاز الحكومات المركزية وضمان تبعيتها.

هذا السلوك انكشف تماما، مما دفع المجلس العسكري الحاكم في مالي إلى إلغاء اتفاق السلام رسميا وبشكل نهائي، وتوجيه اتهامات علنية وصارمة للنظام العسكري الجزائري بالتدخل السافر في الشؤون الداخلية واحتضان ودعم الحركات الانفصالية المسلحة وتوفير قواعد خلفية لها.

وفي مقابل هذه المقاربة القائمة على تأجيج النزاعات، قدمت قوى واعدة مثل الإمارات والمغرب نموذجا إستراتيجيا مغايرا يرتكز على التنمية المستدامة، وجاءت المبادرة الملكية المغربية لتمكين دول الساحل من الوصول إلى المحيط الأطلسي، مدعومة بقوة مالية واستثمارية إماراتية ضخمة، لتوفر لدول الساحل مخرجا اقتصاديا حقيقيا يربطها بالأسواق العالمية عبر البنية التحتية المتطورة وميناء الداخلة.

هذا التحول الجيوسياسي نقل دول الساحل من حالة التبعية الأمنية إلى فضاء الشراكة التنموية والسيادة الاقتصادية الكاملة، الأمر الذي عزل النظام العسكري الجزائري جغرافيا وسياسيا، وجعله يعيش حالة من التوجس والذعر الدائم نتيجة تحول حدوده الجنوبية إلى مناطق نفوذ لشركاء الرباط وأبوظبي، بعد أن أثبتت شعاراته الأمنية الموروثة عقمها التام في بناء استقرار حقيقي.

خسائر متراكمة وعزلة إقليمية شاملة

تؤكد التطورات الأخيرة أن لجوء النظام العسكري الجزائري الدائم إلى سياسة قطع العلاقات وإغلاق الأجواء يعكس عجزا بنيويا في إدارة الاختلافات الدولية، ويحمل كلفة باهظة سيتحملها وحده. وتتجلى أولى هذه الخسائر في توجيه ضربة للاستقرار الاقتصادي ومناخ الاستثمار، فالإمارات تمتلك أصولا استثمارية حيوية في قطاعات الموانئ والعقارات والصناعة التبغية، واللجوء لقرارات سياسية هوائية وانفعالية بقطع العلاقات يوجه رسالة طاردة للمستثمرين الأجانب، ويثبت الافتقار إلى الحد الأدنى من الأمان الاستثماري.

كما تأتي هذه الانتكاسات متزامنة مع الإقصاء التكتلي وعقم الشعارات، وهو ما تجسد سابقا في رفض انضمام البلاد لمجموعات دولية وازنة مثل بريكس، لتؤكد للمجتمع الدولي أن الدبلوماسية لا تبنى بالشعارات الفضفاضة، بل بالملاءة الاقتصادية والواقعية السياسية والمرونة التي يفتقر إليها النظام العسكري الجزائري.

كلفة الانفصال عن الواقع الإقليمي

تضع واقعة قطع العلاقات مع الإمارات النظام العسكري الجزائري في مواجهة مباشرة مع عزلته المتنامية، فبعد أن قطع جسوره بالكامل مع جاره المغرب، يعود اليوم ليكرر السيناريو ذاته مع قوة اقتصادية ودبلوماسية عربية وازنة كدولة الإمارات.

لقد أثبتت التطورات أن النزاع المفتعل حول الصحراء المغربية تحول إلى مقصلة لدبلوماسية النظام العسكري الجزائري، وأن محاولاته للاختباء خلف شعارات مناهضة التطبيع قد سقطت أمام وقائع السعي السري لتأمين مصالحه خلف الكواليس. وبينما تنطلق قاطرة التنمية والاستقرار في المنطقة بقيادة التحالفات الواقعية، يبقى النظام العسكري الجزائري أسيرا لأوهامه وإخفاقاته الدبلوماسية.

الآراء الواردة في مقالات الرأي تعبر عن مواقف كاتبيها وليس على الخط التحريري لمؤسسة الصحيفة
The comments are closed in this post

فيليبي السادس في سبتة المحتلة.. تاجٌ ينعش إسبانيا ولا يمحو الاحتلال

كلما شعرت إسبانيا بالضعف، عادت الملكية لإنعاش معنوياتها، ومنحها جرعة فائضة من الشعور الوطني، وحين تضيق السياسة بأزماتها، يتقدم التاج ليجمع تحت رمزيته ما تعجز الحكومات عن جمعه بالبرامج والوعود. ومن ...

استطلاع رأي

هل حان الوقت للمغرب لإدراج ملف مدينتي سبتة ومليلية أمام لجنة الـ24 المعنية بتصفية الاستعمار بالأمم المتحدة؟

Loading...