ليس السؤال من سيفوز في انتخابات شتنبر، بل كم بقي للمغاربة من ثقة في الأحزاب؟

 ليس السؤال من سيفوز في انتخابات شتنبر، بل كم بقي للمغاربة من ثقة في الأحزاب؟
الصحيفة | افتتاحية
الثلاثاء 28 يوليوز 2026 - 9:07

على بعد أقل من شهرين من الانتخابات التشريعية المقررة يوم 23 شتنبر 2026، لا يبدو المشهد السياسي المغربي منشغلا بما يكفي بتقديم الأجوبة عن الأسئلة الاقتصادية والاجتماعية التي تؤرق المواطنين، بقدر ما ينغمس في سباق محموم لاستقطاب البرلمانيين والمنتخبين والأعيان، وإعادة توزيعهم بين الأحزاب وفق حسابات الفوز والتزكيات وموازين القوة المحتملة.

وكما يحدث قبيل كل استحقاق انتخابي، عاد "الترحال السياسي" ليطغى على النقاش العام، محولا الأحزاب من مؤسسات يفترض أن تجمع أصحاب الأفكار والمشاريع المشتركة إلى فضاءات مؤقتة للعبور نحو المقاعد والمناصب.

فبعض السياسيين الذين قضوا سنوات في الدفاع عن حزب وبرنامجه وقيادته لا يجدون حرجا، عند اقتراب موعد الاقتراع، في الانتقال إلى حزب منافس، وربما في تبني خطاب يناقض ما كانوا يدافعون عنه قبل أسابيع.

لا يتعلق الأمر بتحولات فكرية أو مراجعات سياسية عميقة، بل غالبا بقراءة براغماتية لخريطة النفوذ تنبني حول أي حزب تبدو حظوظه أكبر؟ وأي تنظيم يضمن التزكية؟ ومن يملك شبكة انتخابية ومالية وتنظيمية قادرة على حمل المرشح إلى البرلمان؟ هكذا تتحول السياسة إلى سوق موسمية، يصبح فيها المرشح أهم من الفكرة، والعائلة الانتخابية أقوى من المؤسسة، والقدرة على حشد الأصوات أكثر قيمة من الكفاءة أو الالتزام.

ويتقدم التجمع الوطني للأحرار هذه المنافسة بوصفه حزبا يستند إلى شبكة واسعة من الأعيان والمنتخبين، بينما يسعى حزب الأصالة والمعاصرة بدوره إلى تعزيز مواقعه واستقطاب أسماء مؤثرة، في وقت يبدو حزب الاستقلال معرضا لفقدان جزء من رصيده المحلي بسبب ضعف الحوافز التي تدفع بعض أعيانه إلى الاستمرار داخله.

وكان انضمام فوزي لقجع، الوزير المنتدب المكلف بالميزانية ورئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، إلى حزب الأصالة والمعاصرة، إلى جانب انتقال الخطاط ينجا، رئيس مجلس جهة الداخلة–وادي الذهب والمنسق الجهوي السابق لحزب الاستقلال، إلى الحزب نفسه رفقة منتخبين وأسماء محلية، من أبرز مظاهر إعادة تشكيل الخريطة الحزبية قبيل الانتخابات.

وقد انضم لقجع إلى المكتب السياسي للحزب، فيما زكّى "الأصالة والمعاصرة" الخطاط ينجا مرشحا بدائرة وادي الذهب، في خطوتين تكشفان كيف يمكن أن تنتقل شخصيات نافذة وشبكات انتخابية كاملة من موقع حزبي إلى آخر خلال أسابيع قليلة.

كما دفعت موجة تغيير الانتماءات عددا من النواب إلى تقديم استقالاتهم من مجلس النواب، بعدما قرروا خوض الانتخابات المقبلة بألوان أحزاب أخرى، في محاولة لتجاوز الآثار القانونية المترتبة عن التخلي عن الانتماء الحزبي الذي انتخبوا باسمه.

هذه الممارسات لا تضر بصورة حزب بعينه، بل تضرب مصداقية العملية السياسية بكاملها، فالناخب الذي يرى ممثله ينتقل بسهولة من اليمين إلى اليسار، ومن الأغلبية إلى المعارضة، ومن حزب تاريخي إلى تنظيم منافس، لا يعود قادرا على معرفة ما الذي صوّت عليه، هل اختار برنامجا سياسيا، أم شخصا يبحث عن أفضل موقع داخل خريطة السلطة؟

والنتيجة الطبيعية هي اتساع فجوة الثقة، وتعزيز العزوف الانتخابي، وتحويل الاقتراع إلى شأن يخص المرشحين وشبكاتهم أكثر مما يخص المجتمع. فالمغاربة يفترض أن يتوجهوا إلى الصناديق وهم مقتنعون بأن أصواتهم قادرة على رسم السياسات العمومية وتحسين التعليم والصحة والتشغيل والقدرة الشرائية، لا لمشاهدة جولة جديدة من لعبة الدومينو الحزبية.

لكل هذا، انتخابات 2026 مهددة بأن تعيد إنتاج الصورة نفسها، أعيان يتحركون بين الأحزاب، وقيادات تفاوض على الأسماء لا البرامج، ومرشحون يبحثون عن أقصر طريق إلى البرلمان.

وإذا لم تستعد الأحزاب معناها السياسي والأخلاقي، فلن يكون السؤال من سيفوز في شتنبر، بل كم تبقى من ثقة المغاربة في انتخابات تتغير فيها القمصان، بينما تبقى الممارسات على حالها.

The comments are closed in this post

إسبانيا التي يبتلعها التطرف

ثمة شيء يتغير بعمق داخل إسبانيا، وليس من الحكمة اختزاله في صعود حزب "فوكس"، ولا في بعض المظاهرات التي يظهر فيها شبان يؤدون التحية الفاشية، ولا حتى في الشتائم التي ...

استطلاع رأي

هل حان الوقت للمغرب لإدراج ملف مدينتي سبتة ومليلية أمام لجنة الـ24 المعنية بتصفية الاستعمار بالأمم المتحدة؟

Loading...