مآزقه كثيرة كلامه قليل وأفعاله أقل هل العثماني معني بالرحيل عن “حكومة الكفاءات”؟ – الصحيفة

مآزقه كثيرة كلامه قليل وأفعاله أقل هل العثماني معني بالرحيل عن "حكومة الكفاءات"؟

ترأس الحكومات المغربية عبر تاريخها عدة سياسيين وصفوا بـ"الضعفاء" أو بـ"قليلي الحيلة"، ومنهم من اعتبر مجرد "وزير أول" بالاسم دون أن تكون له أي قدرة على اتخاذ القرار مهما كان بسيطا، لكن حالة سعد الدين العثماني، الذي يحمل صفة "رئيس الحكومة"، مع ما يحمله ذلك من صلاحيات دستورية منذ 2011، ظل منذ اختياره بشكل مفاجئ لهذا المنصب وإلى يومنا هذا، يبقى حالة خاصة.

فالعثماني وجد نفسه منذ اليوم الأول لتعيينه من طرف الملك، محط مقارنة مع سلفه على رأس الحكومة وحزب العدالة والتنمية، عبد الإله بنكيران، الرجل الذي كان لسانه محط إزعاج شديد لخصومه ونقطة قوة لحكومته التي استمات في الدفاع عن حصيلتها بما في ذلك القرارات اللاشعبية التي اتخذتها، في حين كان لسان العثماني غالبا جالبا للسخرية، دون أن ينجيه صمته عن العديد من القضايا الحارقة من سياط الانتقاد.

لعنة ابن عرفة

في العاشر من أكتوبر سنة 2016، كلف الملك محمد السادس عبد الإله بنكيران بترؤس الحكومة لولاية ثانية بعد أن حقق حزبه فوزا كبيرا في الانتخابات التشريعية، لكن الأمر لم ينته هنا، فبنكيران الذي وجد أن حليفه المحتمل، حزب الاستقلال، أجبر على البقاء في المعارضة بعد تصريحات أمينه العام حميد شباط حول موريتانيا التي اعتبرت "سببا في أزمة دبلوماسية"، رفض أن تُفرض عليه التشكيلة الحكومية التي يريدها عزيز أخنوش وتحالفه الرباعي، ما أدخل المفاوضات في "بلوكاج" امتد لـ5 أشهر.

ومن اشتداد الضغط على بنكيران، خرج مصطفى الرميد، أحد أبرز قياديي "العدالة والتنمية" لإعلان رفض الحزب تسمية رئيس جديد للحكومة، بل إنه قال عن إمكانية أن يكون هو البديل إنه "لن يكون ابن عرفة"، دون أن يعلم أنه بنفي هذا الوصف عن نفسه، سيلصقه في قيادي آخر في الحزب، وهو سعد الدين العثماني، الذي سيعينه الملك رئيسا للحكومة بعد إعفاء بنكيران مباشرة.

كان القبول "الاضطراري" لحزب العدالة والتنمية لهذا الخيار، المدعوم من الأمانة العامة للحزب، التي لم تستشر أصلا من المؤسسة الملكية قبل إعفاء بنكيران أو تعيين خلفه، بداية لاتهام العثماني بالتخلي عن صديق الأمس، الأمر الذي سيتعزز في دجنبر 2017، عندما تصدى العثماني والرميد وقياديون آخرون لمحاولة جناح في المجلس الوطني للحزب، تعديل القانون الأساسي ومنح بنكيران الحق في الترشح لولاية ثالثة تواليا، الشيء الذي جعل وصف "ابن عرفة" متداولا حتى عند بعض أعضاء "البيجيدي".

أزمات متتالية

رافق "سوء الطالع" سعد الدين العثماني منذ بداية ترأسه للحكومة، بمواجهته لمجموعة من الأزمات السياسية والاجتماعية الخطيرة، وإن كان سلفه يملك من الجرأة والشعبية ما يجعله يواجهها بالكلام على الأقل، فإن العثماني كان يفتقر حتى للقدرة على الظهور الإعلامي "المقنع"، ما جعله يواجه حراك الريف واحتجاجات الأساتذة وإضراب طلبة الطب والصيدلة بالصمت في أغلب الأحيان إلا من بعض التصريحات الجافة.

وفي قضية حراك الريف تحديدا، كان أقصى ما قاله العثماني عن الموضوع هو أنه "يتمنى أن يتم إطلاق سراح جميع المعتقلين بعفو ملكي"، فيما نأى بحزبه عن مقترح إصدار قانون عفو عام عن كل المعتقلين في هذا الملك، كمخرج اقترحه النائبان البرلمانيان عن فيدرالية اليسار الديمقراطي، عمر بلافريج ومصطفى الشناوي، واللذان اتهما "البيجيدي" بعرقلة المقترح.

وكان صوت العثماني خافتا أيضا في قضية إضراب طلبة كليات الطب والصيدلة، الذي كاد ينتهي إلى الباب المسدود لولا الوصول إلى اتفاق مع وزارة التربية الوطنية والتعليم العالي مؤخرا، الشيء نفسه تكرر مع ملف "الأساتذة المتعاقدين"، التي تغاضى فيها العثماني عن نبرة التهديد ورفض الحوار المباشر معهم، رغم أنه طلب منه ذلك شخصيا، ما جعل شبح "السنة البيضاء" يتراءى للجميع، أما الأزمة التي رافقت اعتماد الساعة الإضافية فلم يجد العثماني خلالها بدا من الدفاع عن خيار اعترف شخصيا أن حكومته "لم تحسم فيه وحدها".

خرجات باهتة.. ومضحكة

لا يختلف اثنان على أن القدرة التواصلية للعثماني تهوي كفتها تماما إذا ما قورنت مع قدرات سلفه بنكيران، الذي يهوى الوقوف أمام الميكروفونات والكاميرات، والذي كان ظهوره التلفزي أو خطابه خلال جلسة المساءلة الشهرية بالبرلمان مادة للفرجة وللعناوين البارزة.

ولم تنجح خرجات العثماني التلفزيونية، على قلتها، في إقناع متابعيه لكن بعض تصريحاته تحولت إلى مثار للسخرية، كما حدث عندما نقلت مواقع إخبارية مثلا تصريحه حول أن الأهم بالنسبة للحكومة هو تحل الروبيني ينزل الما تحل الساروت ديال الضو يشعل الضو"، أو مؤخرا عندما تحدث الانجليزية بشكل ركيك أمام كاميرا إحدى وسائل الإعلام التركية.

لكن الإحراج الأكبر إعلاميا للعثماني سيتسبب فيه بنكيران نفسه، عندما شحذ لسانه لمواجهة القانون الإطار المتعلقة بمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي، والذي اعتبره محاولة لـ"فرنسة المواد العلمية"، إذ لم يتوان عن مهاجمة الحكومة والأمانة العامة لحزبه مباشرة والتلميح إلى إمكانية انساحبه من "العدالة والتنمية".

وتحاشى العثماني الرد المباشر على بنكيران، لكن مجرد حديثه عن "انتصاره" في تمريره المشروع جعله في محط هجوم مباشر وعلني ومحرج من هذا الأخير حينما خاطبه أمام المؤتمر الوطني لشبيبة العدالة والتنمية قائلا "إن كنت تعتبر ما جرى انتصارا علي، فاعلم أن الانتصار الحقيقي يكون في الانتخابات".

حكومة "محكومة"

العديد من منتقدي العثماني يصرون على استعمال كلمة "المحكومة" لتوصيف حكومته، وهو الأمر الذي لا يبدو بعيدا عن الصواب، فهو لا يكاد يكون له أي دور في تشكيلها أو تعديلها منذ استلامه لمنصبه اضطراريا قبل عامين ونصف العام، حيث اضطر منذ اليوم الأول إلى القبول بـ"تحالف أخنوش" الذي يضم التجمع الوطني للأحرار والاتحاد الدستوري والحركة الشعبية والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية.

ولم يهنأ العثماني بحكومته الجديدة إلا 7 أشهر، ليطيح "الزلزال السياسي" الذي أعلن عنه الملك عقب تقرير المجلس الأعلى للحسابات الذي تلى أحداث الحسيمة، حيث أقال الملك كلا من محمد حصاد، وزير التربية الوطنية والتكوين المهني والتعليم العالي والبحث العلمي، بصفته وزير داخلية في حكومة السابقة، ومحمد نبيل بنعبد الله، وزير إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، بصفته وزير السكنى وسياسة المدينة في الحكومة السابقة، والحسين الوردي، وزير الصحة في الحكومتين الحالية والسابقة والعربي بن الشيخ، كاتب الدولة لدى وزير التربية الوطنية والتكوين المهني والتعليم العالي والبحث العلمي، المكلف بالتكوين المهني، بصفته مديرا عاما لمكتب التكوين المهني وإنعاش الشغل سابقا.

وشهدت حكومة العثماني بعد ذلك أيضا تعديلات جزئية كان الملك مصدرها المباشر، منها ما أعلن في خطاب ملكي، مثل إضافة منصب الوزير المنتدب في الخارجية المكلف بالشؤون الإفريقية، لكن التغيير الجذري المرتقب هو الذي تم الإعلان عنه خلال خطاب الذكرى العشرين لعيد العرش في 29 يوليوز الماضي، حيث قرر الملك تعيين حكومة "كفاءات واستحقاق" ينتظر أن يقدم العثماني مقترحاته بشأنها مع بداية الدخول السياسي، والتي يتوقع أن تأتي على نصف أعضاء الحكومة تقريبا.

لكن، أمام هذا "البروفايل" الموصوم بـ"السلبية"، والذي جعل الكثير من المراقبين يصفون الأمين العام الحالي للبيجيدي ووزير الخارجية السابق بأنه أحد "أفشل رؤساء الحكومة" في تاريخ المغرب، يبرز سؤال ملح: ماذا إن كان العثماني أيضا معنيا بالتعديل الحكومي؟

تعليقات الزوار ( 0 )

أضف تعليقاً

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية) .