ما أشبه اليوم بالبارحة.. عندما تحدث الحسن الثاني عن الأزمة المالية وصراعات السياسيين في خطابه الأخير بالبرلمان

يفتتح الملك محمد السادس يوم غد الجمعة السنة التشريعية الخامسة والأخيرة من الولاية الحالية، حيث سيلقي أمام البرلمان بغرفتيه خطابا لن يكون عاديا في شكله كما في سياقه، إذ لأول مرة سيقتصر حضور البرلمانيين على رئيسي مجلسي النواب والمستشارين إلى جانب أعضاء مكتبي المجلسين ورؤساء الفرق والمجموعات البرلمانية ورؤساء اللجان البرلمانية الدائمة، وذلك في ظل الوضع الصحي الاستثنائي الراهن بسبب جائحة كورونا.

وما يجعل الخطاب الملكي استثنائيا أيضا هو تزامنه مع الوضع المالي والاقتصادي الحساس للملكة في ظل تبعات الجائحة إلى جانب كون هذه السنة التشريعية الحالية هي المحطة الأخيرة للبرلمانيين قبل الانتخابات التي ستنظم السنة المقبل، وهو ما رفع من نسق الصراعات السياسية بين الأحزاب، ما يذكر بالخطاب الأخير للملك الحسن الثاني أمام البرلمان بتاريخ 8 أكتوبر 1998 حين كانت ملفات التشغيل والنمو الاقتصادي إلى جانب الخطاب داخل قبة المؤسستين التشريعيتين أهم ما تطرق إليه العاهل الراحل قبل وفاته بعد ذلك بأقل من 10 أشهر.

تفاؤل من قلب الأزمة

وبدا الملك الراحل من هذا الخطاب مهتما أساسا بالوضع الاقتصادي للمملكة التي كان ينظر  بعين التفاؤل لمستقبلها، موردا "كنت في افتتاح دورتكم ربما قبل سنتين أو ثلاث سنوات قد أتيتكم بأرقام للبنك الدولي في ما يخص الميادين الاجتماعية منها والتعليمية، وفي ما يخص الميادين الاقتصادية والمالية، وها أنا اليوم سأدق نفس الباب أو الأبواب ولكن بلهجة أخرى لأنني أعتقد أن التفاؤل مسألة ضرورية للدفع بالإنسان إلى السير قدما، فإذا نحن لم نقل لإنسان كلما كد واجتهد لقد وصلت إلى نتائج حسنة، ولقد أصبت الهدف إن لم يكن كله فبعضه، فلن يجد في نفسه القوة للاستمرار في الجهد".

وخلال رصده لمؤشرات الوضع الاقتصادي قال الحسن الثاني "كما تعلمون أن العاصفة المالية والاقتصادية قد هبت على كثير من الدول والقارات في العالم ولم يصمد أمامها لا قوي ولا متوسط في بعض النواحي وبعض القارات، بل حتى العمالقة أصيبوا في أسس اقتصادهم بعطب كبير وعميق، وحينما نرى خريطة القارة الأفريقية نجد في شمال غربها بلدا متواضعا في حجمه متوسطا بل أقل من المتوسط في عدد سكانه لا ثروات له طبيعية من تلك التي تدر عليه الخيرات والخيرات بل لديه مواطنون ولديه جنود مجندون ولديه أدمغة ولديه إرادات ولديه وطنيون، نجده لا يكتفي بالصمود أمام تلك الموجة العاصفة بل يسير ويشق طريقه".

وتابع "نعم نعمل مع الحذر كل الحذر، ولكن من ذا الذي يقول إنه في إمكان بلد سائر في طريق النمو أن ييسر لنفسه قدرا مثل الذي سأقول، أي 3.2 في المائة من النمو في معدل زمني من 12 أو 15 سنة، حتى في بعض الدول الأوروبية مثل تلك التي يقال عنها إنها متقدمة في بعض السنين لا تصل إلى هذا الرقم 3.2 في المائة، حين نرى ولله الحمد أن عملتنا محترمة وأن المتعاملين من أبناء المغرب مع الأسواق الخارجية سواء القارية أو خارج القارة الإفريقية يتعاملون باحترام ومصداقية وأن أرصدتهم المعنوية تفوق أرصدتهم المالية، ألا يحق لنا أن نقول الحمد لله ولكن لا نقف ولا نكتفي بهذا، بل نقول علينا أن نزيد في ما نحن فيه".

وكان ملف التشغيل حاضرا في خطاب الملك الراحل الأخير أمام أعضاء البرلمان، حيث قال إنه "بين 1990 أو 1998 خلق المغرب فرصا للشغل تصل إلى 182 ألف منصب شغل سنويا، والحال أن حاجتنا في التشغيل هي 220 ألف منصب، معنى ذلك أن هناك فارق حوالي 40 ألف منصب فقط سنويا، فمن هي هذه الدولة في العالم بأسره، كيفما كان نوعها وكيفما كانت ديانتها وكيفما كانت ثرواتها، التي يمكنها أن تقول إنها بخصوص ملف التشغيل قضت نهائيا على البطالة وأنها تشغل مائة في المائة ألا ترون أن 182 ألف منصب شغل سنويا إن لم تكن مئة بالمئة فهي من الحوافز التي يجب أن تدفعنا لأن نسير إلى الأمام ولأن نسير قدما وأن نفتخر ونزهو ونحمد الله متواضعين.

دعوة السياسيين إلى الفضيلة

ويبدو أن الحسن الثاني في أيامه الأخيرة لم يكن راضيا على مستوى النقاش السياسي بين الأحزاب، إذ أورد "لاحظت خلال دورتكم الماضية التي تناقشتم فيها حول قانون المالية بالخصوص والقوانين الأخرى، حدة في الخطاب واحتداما في المعاملة، الشيء الذي أعتقد أنه لا يفيد بشيء في مداولات هذا المجلس، لقد أمضيتم دورات ساخنة جدا مواضيعها تدفع كما يقول العامة إلى "تسخين الطرحة" لأنها تهم بالخصوص قوانين الانتخابات والتهييء للانتخابات فلم نصل ولم نسمع عن هذه الحدة ولا عن هذا الصراع المحتدم في قاموس".

وحاول الملك الراحل نزع فتيل الصراع اللفظي بين الأحزاب من خلال تذكيرهم بأن "المغرب أمة واحدة وشعب واحد فلا تصنفوه يمينا ويسارا ولا تفرقوا الشعب الذي أنتم تمثلونه إلى هذا وذاك، فرقوه إن أردتم إلى فئتين، فئة اجتهدت فأصابت، وفئة اجتهدت فأخطأت ولكلتا الفئتين على كل حال أجر، أجران للأولى وأجر للثانية"، وأضاف "أعطوا رعاكم الله رعايانا الأوفياء، الذين لا تتحملون فقط أمانة تمثيلهم ولكن أمانة الكلام باسمهم والتعبير عن رغباتهم ومطامحهم وحاجياتهم وضروريا تهم اليومية، أعطوهم نظرة عن مجلس فيه حماس وفيه تنافس، وفي الخير فليتنافس المتنافسون، ولكن القاسم المشترك الذي يجب أن يظهر أنه يجمعكم يجب أن يتجلى في عين الشعب المغربي أولا وفي الخارج ثانيا، في البحث المستمر عن الفضيلة، إذ كما قال جمال الدين الأفغاني "لا حد للكمال ولا نهاية للفضيلة".

التمهيد لطي صفحة الانتهاكات

وخلال هذا الخطاب تطرق الحسن الثاني أيضا إلى ضرورة ملاءمة القوانين الداخلية لمجلسي النواب والمستشارين مع بعضها لتسهيل النظر في القوانين وربح الوقت، كما حمل أيضا توجيها للأحزاب السياسية للاهتمام أكثر بصحفها والفع من محتواها كونها "أساس الثقافة الشعبية الوطنية"، لكن المثير أيضا أنه أبدى اهتماما كبيرة بالإسراع في مسلسل المصالحة وطي صفحة انتهاكات حقوق الإنسان.

وفي هذا السياق قال العاهل الراحل "إن المغرب اختار أن يكون ملكية دستورية بكل ما في هذه الكلمة من معنى، وأساس هذا المعنى هو العدل واحترام الحقوق، وإننا لنريد، وعزمنا أكيد، أن نطوي نهائيا في غضون الستة أشهر المقبلة ملف حقوق الإنسان، وقد توصلنا من رئيس المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان بملتمسات، نقول هنا أننا قبلنا الاستجابة إلى تلك الملتمسات معطين أوامرنا السامية لأن تتحرك الآليات التي اتفق عليها أعضاء مجلس حقوق الإنسان حتى تنظر في الملفات وحتى تصفي هذا الموضوع لكي لا يبقى المغرب جارا من ورائه سمعة ليست هي الحقيقة، وليست مطابقة لماضيه ولا لواقعه ولا تفيده في مستقبله".

الأثنين 3:00
غيوم قاتمة
C
°
14.92
الثلاثاء
16.71
mostlycloudy
الأربعاء
17.07
mostlycloudy
الخميس
15.58
mostlycloudy
الجمعة
16.2
mostlycloudy
السبت
15.28
mostlycloudy