مصحات خاصة تتحدى القانون ووزارة الصحة وتطالب المرضى بـ"شيك الضمان"

لم تفلح دورية وزير الصحة خالد آيت الطالب، التي بعث بها للمستشفيات العمومية والمصحات الخاصة أواخر شهر نونبر الماضي، في ثني إدارات العديد من المصحات عن فرض وضع شيك على سبيل الضمان بالنسبة للمرتفقين الذين ينزلون على هذه المرافق الصحية راغبين في العلاج، وهو الأمر الذي ينصاع له قسرا العديد من المواطنين تحت ضغط الخوف على صحتهم أو صحة أحد أفراد عائلاتهم.

وتتجاهل الكثير من المستشفيات الخاصة تجريم القانون الجنائي المغربي للتعامل بالشيكات على سبيل الضمان، بل إنها تتجاهل أيضا تعليمات وزارة الصحة التي تحث على إعطاء الأولوية لصحة المريض خاصة في الحالات المستعجلة، مع منعها بنص صريح التعامل بشيك الضمان، مستغلة عدم قدرة الضحايا على التبليغ نتيجة اعتبارهم أيضا خارقين للقانون عند تسليمهم لتلك الوثيقة المالية.

خرق للقانون

وينص الفصل 544 من القانون الجنائي المغربي على أن "كل من أصدر أو قبل شيكا بشرط ألا يصرف فورا وأن يحتفظ به كضمانة، يعاقب بالعقوبات المقررة في الفقرة الأولى من الفصل 540، على أن لا تقل الغرامة عن قيمة الشيك"، أما الفصل 540 فيحدد تلك العقوبات في الحبس من سنة إلى خمس سنوات وغرامة من خمسمائة إلى خمسة آلاف درهم.

ويعد هذا النص من أسباب عدم إقدام الضحايا على التبليغ، رغم كون وزارة الصحة وضعت رقما للتواصل معها قصد إطلاعها على مثل هذه الحالات، وهو الأمر الذي لمسه موقع "الصحيفة" من خلال حديث العديد من المواطنين عن كونهم "اضطروا" لوضع هذه الشيكات كضمان إنقاذا لأنفسهم أو أحد أقربائهم، وبالتالي صاروا غير قادرين على وضع شكايات لدى وزارة الصحة أو النيابة العامة تفاديا للمتابعة.

ووفق خالد الرابطي، الكاتب العام للجمعية المغربية لحماية السلامة الصحية، فإن "الشيك أداة وفاء مماثلة للنقود في المعاملات، ولا يمكن أن يعتبر وسيلة لضمان مستحقات أي جهة كانت، لكن الغريب في الأمر أن العديد من المستشفيات الخاصة بالمغرب تلح على المريض أو مرافقيه لوضع شيكات على سبيل الضمان من أجل السماح لهم بإجراء الفحوصات أو العمليات، قصد ضمان الأداء بعد نهاية التطبيب".

ويرى الرابطي أن هذا الأمر الذي يثير قلق وغضب المغاربة صار معروفا لدى جميع المسؤولين عن القطاع الصحي، غير أن عدة مستشفيات تتعامل به رغم أن القانون واضح في تجريم وضع الشيكات على سبيل الضمان، وما يشجعها في ذلك هو أن العقاب مسلط على من أعطى الشيك، أي المريض أو ذووه، ومن تسلمه أي إدارة المستشفى.

تحذيرات الوزارة

وفي نونبر الماضي عممت وزارة الصحة مذكرة تمنع إدارات المستشفيات من التعامل بهذا النوع من الضمان المالي، معلنة أيضا وضع الرقم الهاتفي 0537761025 رهن إشارة المواطنين من أجل التبليغ عن حالات طلب الشيك كضمان مقابل الاستقبال أو الاستفادة من العلاج، وذلك بعدما أصبح هذا الأمر معمولا به في جل المصحات الخاصة بكافة المدن المغربية.

ووفق المذكرة فإن المصحات الخاصة والمستشفيات ممنوعة بشكل قطعي من اشتراط الأداء المسبق قبل التكفل الطبي بالمرضى في حالة مستعجلة، وشددت الوثيقة ذاتها على "ضرورة الحرص على التطبيق السليم للمادة 42 من النظام الداخلي للمستشفيات، والتي تنص على أنه يجب استقبال وفحص كل مريض أو جريح أو امرأة مقبلة على الولادة يحضرون في حالة استعجال، وكذا قبولهم للاستشفاء إذا دعت الضرورة لذلك أو كانت حالتهم تستدعي ذلك".

ووفق الرابطي فإنه رغم منع دورية وزارة الصحة لهذا الأمر رسميا السنة الماضية، "لكن يبقى من الصعب مراقبة المستشفيات الخاصة وضبط مثل هذه السلوكات" موردا أنه "لا يمكن للوزارة الوصية وحدها التصدي لمثل هذه السلوكات، إذ يبقى الدور ملقى أيضا على السلطات الأمنية والنيابة العامة"، كاشفا عن أن الجمعية المغربية للسلامة الصحية "تعمل على طرح هذا الموضوع للنقاش من جوانبه المتعددة وبحث السبل الممكنة لمنع مثل هذه الخروقات انطلاقا من حق المواطن المغربي في تلقي العلاج سواء في المستشفى العمومي أو المستشفى الخاص".

وشدد المتحدث نفسه على أن هذه المسألة "تتطلب صرامة في تطبيق القانون مع مثل هذه المستشفيات، لكن المشكلة تكمن في إثبات ذلك على المتورطين والذي يبقى أمرا صعبا، لذا على الدولة أن تهتم أولا بالتنزيل الكامل لحق المواطن في العلاج وتسهيل ولوجه إلى المستشفيات العمومية".

خطر آخر

وينبه الرابطي أيضا إلى "مفارقة خطيرة جدا، فإدارات المستشفيات الخاصة بعد انتهاء عملية التطبيب ترفض تسلم مستحقاتها المالية عن طريق الشيك وتصر على أن يكون الأداء نقدا، في حين أنها قبل التطبيب تطالب بوضع شيك على سبيل الضمان من أجل إجبار المرضى على تسليمها كامل مستحقاتها".

ويبقى المريض وذووه هم الحلقة الأضعف في هذه المعادلة، كون الأمر يتعلق بصحة إنسان، بل في أحيان كثيرة بإنقاذ حياته، وهو ما يشير له الرابطي قائلا "المواطن المغربي مغلوب على أمره نظرا للوضع الذي يكون فيه عند ولوجه المستشفى، فحتى عند معرفته بأن القانون يمنع وضع الشيك على سبيل الضمان، وأيضا رغم علمه بأن وزارة الصحة وضعت رقما للتواصل معها ووضع شكايات بخصوص هذه الأمر، فإنه غالبا ما يتراجع عن القيام بأي خطوة احتجاجية وينصاع لإدارة المستشفى كون أن الأمر يتعلق بصحته أو صحة أحد أقربائه".

لكن رغم ذلك، قد يكون وضع الشيك على سبيل الضمان أهون بكثير من "بدائل" أخرى قد تلجأ إليها المستشفيات الخاصة في حال منع هذا الأمر، فوفق الكاتب العام للجمعية المغربية لحماية السلامة الصحية يبقى التخوف قائما في هذه الحالة من أن ينتقل الأمر من المطالبة بشيكات للمطالبة بوضع مبلغ نقدي كبير على سبيل الضمان عوضا عن ذلك، والذي سيكون فوق طاقة المواطن المغربي".

السبت 9:00
مطر خفيف
C
°
10.82
الأحد
13.53
mostlycloudy
الأثنين
12.58
mostlycloudy
الثلاثاء
12.73
mostlycloudy
الأربعاء
12.04
mostlycloudy
الخميس
12.95
mostlycloudy