مصطفى سلمى: دعم الجزائر لـ"البوليساريو" تحكمه حساباتها الإقليمية الخاصة.. وصعود المغرب في الساحل يعمق المواجهة
أعاد مصطفى سلمى ولد سيدي مولود، القيادي السابق في جبهة البوليساريو والرئيس السابق لما يسمى جهاز شرطة الجبهة، النقاش حول طبيعة العلاقة بين الجزائر والبوليساريو، حيث استحضر تصريحا سابقا للرئيس الجزائري عبد المجيد تبون بشأن طلب الجبهة السلاح من الجزائر وامتناعها عن تقديمه لها "في الوقت الراهن".
وذلك في سياق التطورات التي تشهدها المنطقة خصوصا مع تكثيف الجزائر لتحركها في منطقة الساحل، وآخر مظاهره تقديم هبة عسكرية للجيش النيجري شملت أربع مروحيات وتجهيزات وذخائر وقطع غيار ودعما لوجستيا في خطوة أعلنتها السلطات الجزائرية في إطار تعزيز التعاون الدفاعي والأمني مع النيجر.
ويضع ولد سيدي مولود من خلال منشور على صفحته الرسمية بموقع "فيسبوك"، هذا الموقف ضمن قراءة أوسع لطبيعة الدعم الجزائري للبوليساريو، رافضا بحسب طرحه، اختزال العلاقة في اعتبارات مرتبطة بما تسميه الجزائر "القضية الصحراوية"، فالرجل الذي عاش من داخل منظومة الجبهة قبل أن يتحول إلى أحد أبرز منتقديها، يرى أن الدعم الجزائري كان مرتبطا في جانب أساسي منه بحسابات الدولة ومصالحها الإقليمية، وعلى رأسها إبقاء المغرب تحت ضغط نزاع مفتوح واستنزاف جزء من قدرته على التحرك جنوبا.
وتذهب قراءة القيادي السابق في البوليساريو إلى أن التحولات التي عرفها ملف الصحراء خلال السنوات الأخيرة، بالتوازي مع اتساع الحضور المغربي في إفريقيا، جعلت المعادلة التي حكمت السياسة الجزائرية تجاه الجبهة أكثر تعقيدا، فالمغرب، وفق هذا التصور، لم يعد يتحرك في إفريقيا من زاوية الملف الصحراوي وحده، وإنما راكم حضورا اقتصاديا ودبلوماسيا ولوجستيا جعل المنافسة مع الجزائر تمتد إلى فضاءات جديدة، وفي مقدمتها الساحل وغرب القارة.
ويعتبر سلمى أن هذا التحول يفسر، من وجهة نظره، سبب انتقال الاهتمام الجزائري تدريجياً من جبهة البوليساريو إلى ساحات إقليمية أخرى، معتبرا أن أنصار الجبهة الذين يستغربون امتناع الجزائر عن تلبية طلبات التسليح مقابل تقديمها مساعدات عسكرية لدول في الساحل يغفلون، بحسب قراءته، أن الدول لا تدير سياساتها الخارجية على أساس الولاءات الثابتة، وإنما وفق ما تعتبره مصالح استراتيجية قابلة لإعادة الترتيب كلما تغيرت البيئة الإقليمية.
ومن هنا، يكتسب التحرك الجزائري تجاه النيجر أهمية خاصة في القراءة التي يقدمها القيادي السابق في الجبهة، ليس باعتباره دليلا مباشرا على التخلي عن البوليساريو، وإنما باعتباره مؤشراً على حجم الاهتمام الذي باتت توليه الجزائر لمنطقة الساحل، فقد أعلنت الجزائر تقديم هبة عسكرية للنيجر تضمنت أربع مروحيات وتجهيزات وذخائر وقطع غيار ومعدات للصيانة والدعم اللوجستي، في خطوة تعكس انتقال التعاون بين البلدين إلى مستوى أكثر ارتباطاً بالقدرات الدفاعية والأمنية.
وهذه الخطوة سبق أن تناولتها "الصحيفة" بالتحليل، انطلاقا من سؤال يتجاوز طبيعة المساعدة نفسها إلى خلفياتها الإقليمية، فالهبة الجزائرية للنيجر، جاءت في سياق محاولة لإعادة تموضع الجزائر داخل منطقة الساحل، بعد سلسلة من التطورات التي أثرت على نفوذها التقليدي، سواء بسبب التوترات مع مالي، أو التحولات السياسية في النيجر، أو صعود تحالف دول الساحل الذي أعاد ترتيب موازين القوى بعيداً عن عدد من الأطر الإقليمية التقليدية.
ويبرز هنا أحد أكثر جوانب السياسة الجزائرية إثارة للنقاش، فالنظام الجزائري الذي ظل يقدم نفسه تاريخيا باعتبارها قوة إقليمية ترفض التدخلات الخارجية وتتمسك بمبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وجد نفسه مضطرا إلى إعادة ضبط أدواته في التعامل مع واقع سياسي جديد فرضته الانقلابات والتحولات العسكرية في منطقة الساحل.
وفي النيجر تحديدا، انتقلت الجزائر من موقف متشدد تجاه الانقلاب الذي أطاح بالرئيس محمد بازوم إلى التعامل مع السلطة القائمة فعليا وهو تحول يكشف، في أحد أوجهه، أن حسابات الجغرافيا والمصالح قد تكون أكثر تأثيرا من الخطاب السياسي عندما يتعلق الأمر بمناطق النفوذ الحيوية.
وكانت عودة السفير الجزائري إلى نيامي، بعد فترة من التوتر والجمود، من أبرز المؤشرات على هذا التغيير في المقاربة، فالجزائر التي كانت من الداعين إلى العودة إلى النظام الدستوري في النيجر باتت تتعامل مع السلطة القائمة، في انسجام مع واقع إقليمي جديد لم يعد يسمح لها بالوقوف طويلا على هامش التحولات.
ولا يتوقف هذا التحرك عند الجانب السياسي أو العسكري، إذ تمتد الحسابات الجزائرية إلى المجال الطاقي أيضا مع عودة الاهتمام بنشاط شركة "سوناطراك" في حقل كافرا النفطي بالنيجر، بالتوازي مع استمرار حضور مشاريع الطاقة العابرة للحدود في حسابات البلدين.
وهنا تتضح أكثر دلالة وصف التحرك الجزائري بأنه محاولة للانتقال من "دبلوماسية القطيعة" إلى "دبلوماسية المحفظة"، فالجزائر وجدت نفسها أمام واقع إقليمي لا يمكن فيه الحفاظ على النفوذ بمجرد المواقف السياسية، خصوصا بعدما اختارت دول الساحل إعادة تعريف علاقاتها الخارجية وتنويع شركائها، ولذلك، فإن تقديم المساعدات والتعاون الاقتصادي والعسكري يمكن قراءته كأداة لاستعادة مساحة نفوذ فقدت الجزائر جزءا منها خلال السنوات الماضية.
وتزداد أهمية هذه المعادلة عندما توضع في مواجهة المقاربة المغربية في المنطقة، فبينما تتحرك الجزائر عبر أدوات أمنية وعسكرية وطاقية للحفاظ على موقعها في الساحل، اختار المغرب توسيع حضوره من خلال الاقتصاد والاستثمار والبنية التحتية والربط اللوجستي، حيث تبرز في هذا السياق المبادرة الأطلسية التي أطلقها الملك محمد السادس لتمكين دول الساحل من الوصول إلى المحيط الأطلسي، بما تمنحه من إمكانات لربط اقتصادات هذه الدول بالموانئ والبنية التحتية المغربية وفتح مسارات تجارية جديدة أمامها.




