مقدمة قصيرة عن الصحافة.. هجرة سبتة
في الحقيقة، هي مقدمة طويلة عن الصحافة، لكنني اخترت أن يكون الجزء الأول من العنوان أعلاه، عنوانا لهذا المقال، مستوحىً من عنوان كتاب "إيان هار جريفز"، الصحفي الاقتصادي والكاتب البريطاني،الذي عمل أيضا أستاذا جامعيا في جامعات بريطانيا. كما تولى إيان مناصب تحريرية بعدة مجلات وجرائد مرموقة، منها «The Independent» / «Financial» / «Bradford Telegraph».
بالإضافة إلى شغله منصب مدير قطاع الأخبار والشؤون الجارية، في هيئة الإذاعة البريطانية (BBC). كما كان سنة 2010 مستشارا حكوميا موثوقا، قاد مراجعة لإصلاح قوانين الملكية الفكرية الرقمية في بريطانيا، حملت اسمه: "تقريروهار جريفز"، ونشر في ماي من سنة 2011.
مقدمة قصيرة عن الصحافة:
كتاب هار جريفز، يقدم نظرة عامة على عالم الصحافة، صدرت نسخته العربية عن دار الشروق سنة 2011، بعد أن ترجمها للعربية بدر الرفاعي، نقلا عن النسخة الإنجليزية الأصلية، والتي صدرت عن دار نشر جامعة أوكسفورد العريقة سنة 2005.
يتناول الكتاب تاريخ الصحافة، وكواليس العمل الصحفي أثناء الحروب، وبين عالم الشهرة والمشاهير. بالإضافة لأخلاقيات الصحافة، بمختلف مراحل تطورها، إلى غاية ما سماه إيان بصحافة الغد.
ويعود سبب تناول هذا الكتاب، إلى ما شهده المغرب من "هجرة جماعية" لفئة من الشباب نحو مدينة سبتة، الواقعة تحت احتلال اسبانيا، وكانت هذه الفئة المهيمنة حسب الأرقام المعلنة لحدود الساعة، من طرف الجهات الرسمية (المغربية والإسبانية). مع تسجيل وجود لبعض الفئات السنية الأخرى، من الأطفال والنساء بأرقام قليلة ومتفاوتة.
هذه الهجرة الجماعية لبعض الشباب إلى سبتة المحتلة، تضعنا أمام المساءلة المهنية التي طرحها كتاب هار جريفز، بعد أن سماها بـ: "صحافة الاستهلاك السريع"، كونها تنقل المعلومات بالسرعة التي تنتقل بها اليوم، ووفقا لهذا الأسلوب، فمن الممكن -حسبه- أن يحل الدما ر قبل أن يتاح الوقت لفهم تلك المعلومات.
ويضيف الكاتب، أنه في عالم الصحافة العاجلة (وهنا بالنسبة للهجرة إلى سبتة المحتلة)، تدمر السمعة وتنتهك الخصوصيات في اللحظة التي يستغرقها تحويل قنوات التلفزيون.
ومع الساعات الأولى لهجرة سبتة، توالت بيانات من الصور ومقاطع الفيديو المسجلة من مواقع الحدث بشكل غير مسبوق، وازداد زخم التغطية الإعلامية بالتزامن مع ارتفاع عدد المهاجرين.
وفي هذا السياق، يمكن للمتتبع لهذه الأحداث، أن يلاحظ كيف انحرفت مجموعة من المؤسسات الإعلامية الكبرى عن رسالتها الأساسية، القائمة على نقل وتقديم الحقائق بموضوعية، لتخضع للسبق الصحفي المبني على "الترند الرقمي"، حيث أصبحت مرهونة بسرعة نشر الصورة أو المعلومة، أكثر من ارتباطها بالتحقق والموضوعية، بما يفضي إلى الوقوع فيما يصفه هار جريفز بـ: "صحافة الإثارة".
صحافة «Junk Food» و «Junk Journalism»:
يشير كاتب "مقدمة قصيرة عن الصحافة"، إلى أن الوجبات السريعة والجاهزة، «Junkfood»، تكون مناسبة وطعمها لا بأس به عند القضمة الأولى، ولكن انتشارها ورواجها قد يثير أسئلة بشأن الصحة العامة على المدى البعيد. ونفس الشيء بالنسبة للصحافة السريعة الجاهزة «Junk Journalism»، بحيث يرى إيان، أن صحفيو التلفزيون على الخصوص، يلتقطون صورا أثناء الحرب في المناطق الصحراوية، مع بثها في كل أرجاء العالم عبر الفضائيات، وكلما كانت الصورة مؤثرة بصريا، يقول صاحب الكتاب، كلما ازدادت الشهرة، واتسعت رقعة التأثير.
تعود بنا أمثلة إيان، إلى فيديو الشاب الذي ظهر مرتديا قميصا أزرقا، وهو يمارس هواية السباحة بشاطئ مدينة الجديدة المغربية، حاملا كاميرته الخاصة، يوثق من خلالها نشاطه الرياضي المعتاد إلى أن وجد نفسه حديث العالم، و "ترنداً" على وسائل التواصل الاجتماعي، كونه سيصبح سباحا محترفا، وبطلا بمجرد وصوله إلى وجهته، أو بالأحرى وجهة من سوق لرحلته المفترضة كذبا، على أنها عملية "حريكً" لسبتة المحتلة.
في هذه الحالة، وقياسا على مثال «Junk Food»، فقد كان طعم وجبة الصحافة السريعة الجاهزة عند القضمة الأولى مناسبا، كما شهد رواجا سريعا. إلا أنه أثر على الصحة العامة، دون أن نصل بعد إلى ذلك المدى البعيد، الذي أشار إليه صاحب الكتاب. خاصة أن الشاب المعني بالأمر، خرج لينفي صحة ما تم الترويج بشأنه.
فالضحية هنا، كان الشخص نفسه والقارئ المتصفح، أو لنقل المستهلك الشره "للترند"، سواء كان صورة، فيديو أو خبراً غير متأكد منه، بحيث يكون المتلقي مهتما، لكن سرعان ما يغيب هذا الاهتمام دون التحقق من "الاشاعة"، وهذا هو الأصل، كون السلطة الرابعة عند بثها لصورة أو فيديو، فقد أصدرت حكمها بصحة "المعلومة"، وهو حكم حائز لقوة الشيء المقضي به.
السلطــة الرابعــة- السلطة الأولى:
السلطة الرابعة، لفظ أطلقه المؤرخ البريطاني "ماكولي"، على قاعة الصحافة في البرلمان، سنة 1828. إلا أن هارجريفز له رأي آخر في هذه التسمية الآن، كونها السلطة الأولى في نظره. بحيث تتمتع بالقدرة على تحويل البرلمان إلى مجرد دكان للكلام، ويمكن أن يزول وجوده، في حالة ما أدار الصحفيون ظهورهم له.
بين صحافة الاستهلاك السريع التي سقطت فيها إمبراطوريات إعلامية كبرى «Media Empire»، وبين تحول الصحافة من السلطة الرابعة إلى السلطة الأولى، عقب خروجها من قاعة الصحافة في البرلمان، يبرز التعاطي الإعلامي المختلف مع هجرة سبتة، بحيث سنلاحظ ذلك التراجع العميق في تناول الإعلام لهذا الملف، مع غياب أخلاقيات التحليل، وتفسير أسباب الهجرة، والبحث عن الحقيقة في ظل انتشار فيروس الإشاعة.
وبالعودة إلى كتاب "مقدمة قصيرة عن الصحافة"، نجد في الفصل السابع، المعنون ب " القتل لقمة عيشي: أخلاقيات الصحافة"، سؤالا يطرحه هارجريفز، مفاده: هل يأخذ الصحفيون الأخلاق مأخذ الجد؟ وقبل أن نرى ما أفرده إيان من إجابات عن هذا السؤال، سنطرح سؤالا آخر، في علاقة الإمبراطوريات الإعلامية، مع الأحداث البارزة التي يشهدها العالم.
فهل تتفاعل هذه الإمبراطوريات كمؤسسات إعلامية لها خط تحريري مهني أخلاقي محترم؟ أم أنها توجه تناول هذه الأحداث قصد التعاطي معها بشكل فردي (والحالة هنا الصحفي كشخص لا كمؤسسة) تماشيا مع جغرافية الأحداث، وسرعة انتقالها في عالم الميديا على الخصوص؟
بالعودة إلى الجواب على السؤال المطروح من قبل الكاتب، فقد أجاب بتعليق لأحد مراجع تدريب الصحفيين البريطانيين الأكثر انتشارا، والذي قال: إذا أردت أن تصنع هاتين الكلمتين في جملة واحدة، يعني أن تغامر بتحويل المستمع إلى مجرد ضاحك لا حيلة له... فالأخلاق، لا صلة لها بالموضوع إلى حد كبير.
كما ضرب إيان مثلا على ذلك بما جاء على لسان "كلفين ماكنزي"، رئيس تحرير "صن" في سنة 1980، ذات مرة: "الأخلاق مكان في شرق لندن، حيث يرتدي الرجال جوارب بيضاء". بمعنى أننا في غنى عن الأخلاق، كما أنها لا تعنينا، فالأولوية للسبق الصحفي، وذلك في عالم الميديا فائقة السرعة.
عند الرجوع إلى السؤال الذي طرحناه، والمتعلق بتفاعل المؤسسات الإعلامية مع الأحداث، خاصة فيما ارتبط بهجرة سبتة، سيلاحظ المتتبع، أن هذه الإمبراطوريات الإعلامية، كانت أكثر من اعتمد "وهم الخط التحريري"، فقد أصبح من السهل لدى مؤسسات إعلامية دولية نشر الإشاعة، دون الرجوع لتصحيحها، بعدما تكون قد حققت هدفها. فالأخلاق المهنية والخط التحريري لهذه الإمبراطوريات، تحول من "دليل قيم" إلى مجرد "غطاء للشرعية الإعلامية"، في ظل شبكة الانترنيت، التي تلعب دور وسيط الأخبار.
معنى "الأنترنيت" و"الهاتف" في "هجرة سبتة":
في الفصل الثامن من الكتاب، يطرح إيان هارجريفز سؤالا جوهريا حول "معنى الإنترنيت"، في سياق التحولات التي تفرضها الإمبراطوريات الإعلامية. ويخلص إلى أن الثورة التي أحدثها الانترنيت، أدت إلى تضاعف حجم البيانات من الصور والفيديوهات، الأمر الذي أتاح لهذه المؤسسات أصلا تجاريا لتغطية الأحداث في مختلف أنحاء العالم، دون الحديث عن الأخلاقيات المهنية والمبادئ الصحفية.
كما يؤكد إيان، على أن القيمة الحقيقية في بيئة الأنترنيت الرقمية، هي امتلاك حقوق الملكية الفكرية للمحتوى الرقمي المتداول، باعتبارها مصدرا للقيمة الاقتصادية، والتنافسية بين المؤسسات الإعلامية.
والملاحظ في هذه "الأحداث الكبرى"، أن رغم حجم المؤسسات والامبراطوريات الإعلامية، إلا أن "الهاتف"، كان مصدرا لهذا الكم الكبير من بيانات الصور والأخبار والفيديوهات القادمة من حدود سبتة المحتلة. فالهاتف كان وسيلة السبق الصحفي، دون اكتراث لصحة الخبر، سواء كان صورة أو فيديو.
في هذا الشأن، يقدم إيان مثالا بتفجيرات لندن، حيث أسفرت هذه التفجيرات الإرهابية عن مذبحة سنة 2005، وقد كان الهاتف النقال لزائري لندن أثناء وقوع الحادث، مصدرا ووسيلة لأكثر صور أخبار التلفزيون تأثيرا.
"هجرة سبتة"، نقلت إلى العالم عبر شاشات التلفزيون، وقنوات المنصات الرقمية، من خلال الهاتف، لتصل إلى المستهلك في شكل تدفقات ضخمة من البيانات والمحتويات الرقمية.
فهذه البيانات تشكل أصولا اقتصادية للمؤسسات الإعلامية، بعيدا عن "الخط التحريري" أو " الأخلاق المهنية" لهذه الإمبراطوريات الإعلامية، كما تحميه حقوق الملكية الفكرية، كونه يدر عوائد مالية هائلة.
كما أن تغيرات بهذا الحجم في عالم الصحافة، وكيفية تناولها للأحداث الكبرى حول ما يقع في العالم، شكل "ثورة" كما وصفها إيان. ووصف ثورة لم يكن مبالغة، كونها لا تتأثر بتقلبات السوق، كما أنها غير خاضعة للبورصة وتقييم الأسهم.
ختاما؛ فشروط مهام الصحافة التي أفردها إيان فيكتابه "مقدمة قصيرة عن الصحافة"، ثلاثة؛ أولها: الاكتشاف، وثانيها: التوصيل الصحيح، وثالثها: الفوز بثقة المتلقي. فإلى أي حد احترمت هذه الشروط أثناء "هجرة سبتة" من قبل الإمبراطوريات الإعلامية؟



