منذ سنة 1956 إلى اليوم.. وثائق ويكيليكس والأرشيف الأميركي تكشف الوجه الخفي للعلاقات المغربية الإسبانية
منذ استقلال المغرب سنة 1956، لم تكن العلاقة مع إسبانيا مجرد علاقة جوار بين دولتين يفصل بينهما مضيق لا يتجاوز عرضه في أضيق نقطة نحو 14 كيلومترا، بل ظلت محكومة بإرث استعماري لم تُغلق جميع صفحاته.
وبينما استعاد المغرب تباعا أجزاء من الأراضي التي كانت تحت السيطرة الإسبانية، بقيت الصحراء وسبتة ومليلية والجزر المتوسطية ملفات حاضرة بدرجات متفاوتة، لتكشف الوثائق الأميركية المنزوعة عنها السرية، ثم برقيات "ويكيليكس"، أن العديد من الأزمات التي بدت للرأي العام مفاجئة كانت تُناقش منذ عقود داخل الغرف المغلقة.
إحدى أهم الوثائق تعود إلى 30 يوليوز 1956، أي بعد أشهر فقط من استقلال المغرب، حيث حملت مذكرة سرية صادرة عن وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، ومحفوظة اليوم ضمن أرشيف وزارة الخارجية الأميركية، نُقلت تصريحات للملك محمد الخامس يقول فيها إن المغرب وحكومته سيبذلان كل الجهود من أجل استعادة السيادة على أراضٍ مغربية، وذكرت الوثيقة بالاسم، سيدي إفني، وادي الذهب، مليلية وسبتة.. وتصحيح الحدود مع الجزائر.
وهي وثيقة أساسية لأنها تثبت أن المطالبة المغربية بسبتة ومليلية ليست نتيجة خلافات حديثة مع مدريد، بل كانت حاضرة في تصور الدولة المغربية لوحدتها الترابية منذ الأشهر الأولى للاستقلال، وسرعان ما تحولت تلك المطالب إلى أزمة مفتوحة حول الأراضي التي بقيت بيد إسبانيا.
وفي 1957 سجلت الخارجية الأميركية تدهور العلاقات نتيجة المواجهات بين جيش التحرير المغربي والقوات الإسبانية في سيدي إفني، مشيرة إلى أن محمد الخامس كلّف سفيره في مدريد بالمطالبة بمفاوضات تنتهي بعودة الإقليم.
وبعد حرب إفني والصحراء، استعاد المغرب منطقة طرفاية سنة 1958، ثم جاء استرجاع سيدي إفني سنة 1969 بموجب معاهدة فاس. وتوثق الأمم المتحدة أن نقل السلطة تم في 30 يونيو 1969، وأن الإقليم أصبح منذ ذلك التاريخ تحت سيادة المملكة المغربية.
لكن العقدة الأكبر انتقلت إلى الصحراء، ففي وثيقة استخباراتية أميركية تعود إلى 1974، وصفت واشنطن المغرب بأنه الطرف الأكثر نشاطا في المطالبة بـ"الصحراء الإسبانية"، وسجلت أن الرباط كانت تعتبر ما استرجعته منذ 1956 مجرد جزء من الأراضي التي كانت تطالب بها.
ومع اقتراب نهاية حكم فرانكو، تحولت القضية إلى أخطر أزمة بين البلدين، وفي 3 أكتوبر 1975 رفع مدير الـ CIA وليام كولبي مذكرة إلى مستشار الأمن القومي هنري كيسنجر تقول إن معلومات وصلت إلى واشنطن تفيد بأن الحسن الثاني قرر دخول الصحراء، محذرة من احتمال اندلاع "نزاع خطير" مع القوات الإسبانية ومن إمكانية دخول الجزائر على الخط.
وتكشف محاضر أخرى أن الحسن الثاني كان واضحا مع كيسنجر بشأن رفض إنشاء دولة مستقلة في الصحراء، قائلا إن إسبانيا غادرت المغرب سابقا وستغادر الصحراء أيضا، وإن الرباط مستعدة للمواجهة إذا اقتضى الأمر، لكن الاتصالات الأميركية سعت إلى تفادي الحرب، قبل أن تأتي المسيرة الخضراء واتفاق مدريد في نونبر 1975 لتنهي الوجود الإسباني المباشر في الإقليم وتفتح مرحلة جديدة من النزاع.
المثير أن استرجاع الصحراء دفع ملف سبتة ومليلية إلى الخلف مؤقتا، لكنه لم ينهه، ففي برقية أميركية سرية أرسلت من الرباط في 21 غشت 1976، ونشرتها لاحقا قاعدة "PlusD" التابعة لـ"ويكيليكس"، كتب السفير الأميركي أن انشغال المغرب بالصحراء وتحسن علاقته بإسبانيا ورغبة الحسن الثاني في عدم إحراج الملك خوان كارلوس خلال مرحلة الانتقال بعد فرانكو، جعلت قضية سبتة ومليلية تنتقل إلى "الموقد الخلفي"، أي تتراجع في سلم الأولويات، لكن السفير أضاف مباشرة أن "القضية لا تزال قائمة"، وأن الحسن الثاني ظل ملتزما علنا بعودتهما في نهاية المطاف إلى المغرب.
وبعد ثلاث سنوات فقط، تكشف وثيقة أخرى مدى حساسية الملف داخل الدولة الإسبانية نفسها، فبحسب برقية سرية للسفارة الأميركية بمدريد، رُفعت عنها السرية سنة 2014، تحدث الملك خوان كارلوس في أبريل 1979 أمام المبعوث الأميركي إدموند موسكي والسفير تيرينس تودمان عن إمكانية إعادة مليلية إلى المغرب في أجل قصير نسبيا، بينما رأى أن سبتة أكثر تعقيدا بسبب عدد سكانها الإسبان، وطرح بشأنها صيغة قريبة من الوضع الدولي الذي عرفته طنجة، كما خشي أن يلجأ الحسن الثاني إلى "مسيرة خضراء" ثانية باتجاه المدينتين، غير أن ذلك، لم يتحول إلى سياسة رسمية إسبانية، لكنه يكشف أن مستقبل المدينتين كان موضوع نقاش حتى داخل أعلى مستوى في الدولة الإسبانية.
في المقابل، كان موقف الحكومة الإسبانية أكثر تشددا، ففي يونيو 1980، أبلغ رئيس الحكومة أدولفو سواريث الرئيس الأميركي جيمي كارتر أن مدريد تعتقد أن المغرب قد يستخدم الضغط على سبتة ومليلية للحصول على تنازلات في مفاوضات الصيد والتجارة.
وقال سواريث إن إسبانيا سترد "بعنف" إذا وقع ذلك، وإن لديها خططا عسكرية هجومية جاهزة، وعندما قال كارتر إن ذلك يعني الحرب، أجابه سواريث: "بالضبط".
وتكشف الوثيقة كيف كانت ملفات الأرض والصيد والتجارة والصحراء متشابكة إلى درجة أن خلافا اقتصاديا كان يمكن أن يتطور إلى مواجهة عسكرية.
ومع بداية التسعينيات حاول البلدان وضع هذه الملفات داخل إطار قادر على احتواء الأزمات، فوقعا في الرباط يوم 4 يوليوز 1991 "معاهدة الصداقة وحسن الجوار والتعاون".
والمفارقة أن ديباجة المعاهدة نفسها أقرت بأن التاريخ بين الشعبين مر بـ"تقلبات متناقضة"، قبل أن تؤسس اجتماعات دورية وتعاونا سياسيا واقتصاديا وعسكريا وأمنيا، وكانت الصيغة الجديدة واضحة عمليا، وتعمل على تأجيل الخلافات السيادية وتوسيع مساحة المصالح المشتركة.
لكن ذلك لم يمنع الانفجار الأخطر في يوليوز 2002، عندما تحولت جزيرة ليلى إلى مسرح مواجهة مباشرة في بداية عهد الملك محمد السادس ورئيس الحكومة الرسبانية، حينها، خوسيه ماريا أزنار.
فبعد دخول عناصر مغربية إلى الجزيرة، نفذت إسبانيا عملية عسكرية لاستعادتها، وتدخلت الولايات المتحدة لتجنب استمرار التصعيد، وتوثق رسالة رسمية لوزير الخارجية كولن باول الاتفاق الذي أعاد الوضع إلى ما كان عليه قبل الأزمة، مع انسحاب العسكريين والموظفين الحكوميين وإزالة الأعلام، والتزام البلدين بعدم المساس بمواقفهما القانونية وحل الخلافات سلميا.
ومع نشر "ويكيليكس" للبرقيات الأميركية سنة 2010، ظهر جانب آخر من العلاقة، يتعلق بالصحراء تحديدا، فالوثائق بيّنت أن الحكومة الإسبانية الاشتراكية، رغم خطابها العلني المتوازن، كانت منذ منتصف العقد الأول تشجع الرباط على إعداد مشروع حكم ذاتي "ذي مصداقية".
وقال السفير الإسباني في الرباط لويس بلاناس لنظيره الأميركي سنة 2006 إن إسبانيا ستساعد المغرب على بلورة مشروع جدي، بينما اقترح وزير الخارجية ميغيل أنخيل موراتينوس في وثيقة غير رسمية الانتقال من مفردات "الاستعمار والسيادة والاستقلال" إلى "الجهوية والحكم الذاتي والحكم المحلي"، مع الاستئناس بالنموذج الإسباني، وحتى سبتة ومليلية عادتا بقوة إلى برقيات ويكيليكس سنة 2007، عقب أول زيارة للملك خوان كارلوس إلى المدينتين المحتلتين.
إحدى البرقيات الأميركية حملت عنوانا صريحا: "الزيارة الملكية الإسبانية إلى سبتة ومليلية ترتد على إسبانيا"، وسجلت أن قوة الرد المغربي فاجأت حكومة ثاباتيرو. وبرقية أخرى من الرباط وثقت تأكيد محمد السادس تمسك المغرب باستعادة السيادة على المدينتين، بالتوازي مع دعوته إلى "حوار صريح واستشرافي" يحفظ العلاقة مع إسبانيا.
وبعد أزمة استقبال زعيم جبهة البوليساريو الانفصالية إبراهيم غالي في إسبانيا سنة 2021 وما تلاها من دخول آلاف المهاجرين إلى سبتة، عادت العلاقة إلى حافة القطيعة، قبل أن تحدث نقطة التحول الكبرى في مارس 2022، حينما أعلن بيدرو سانشيز أن إسبانيا تعتبر المبادرة المغربية للحكم الذاتي في الصحراء "الأساس الأكثر جدية وواقعية ومصداقية" لتسوية النزاع.
والمفارقة أن وثائق ويكيليكس أثبتت أن هذا التوجه كان موجودا داخل الدبلوماسية الإسبانية قبل نحو 15 عاما من إعلانه رسميا، وفي أبريل 2022 وضع البلدان خارطة طريق تقوم على الحوار الدائم والامتناع عن الإجراءات الأحادية وتجنب الأزمات.
غير أن استقرار العلاقة لم يُنه الخلاف التاريخي بين البلدين، ففي غشت 2026 أعاد وزير العدل المغربي عبد اللطيف وهبي التأكيد على أن سبتة ومليلية تمثلان "حقا تاريخيا وجغرافيا" لللمغرب، ودعا إلى إنشاء آلية للحوار حول مستقبلهما و"عودتهما إلى الوطن"، بينما ردت مدريد برفض "قاطع"، مؤكدة أن المدينتين جزء من السيادة والوحدة الترابية الإسبانية ومن الاتحاد الأوروبي، وأنها لن تفاوض حول سيادتها عليهما.
وتكشف سبعة عقود من الوثائق أن العلاقة المغربية الإسبانية لم تكن قط علاقة صداقة مستقرة ولا عداوة دائمة، وإنما علاقة اعتماد متبادل فوق خلافات تاريخية لم تُحسم نهائيا.
ومنذ الملك الراحل محمد الخامس، ظل المغرب ينظر إلى استكمال وحدته الترابية باعتباره مسارا بدأ بالاستقلال واستمر باستعادة طرفاية وسيدي إفني والصحراء، بينما بقيت سبتة ومليلية والجزر المجاورة، في صلب المطالبة التاريخية المغربية، وفي الجهة المقابلة، تتمسك إسبانيا باعتبار المدينتين جزءا نهائيا من أراضيها.
وبين الموقفين، ظلت الجغرافيا تفرض قواعدها، حيث التجارة، والهجرة، والأمن، والصيد البحري، ومحاربة الإرهاب، والاستثمارات والطاقة تجعل القطيعة مكلفة للبلدين، لذلك تكشف الوثائق نمطا تكرر منذ خمسينيات القرن الماضي مبني على خلاف حول الأرض والسيادة، ثم تصعيد، ثم خوف من تجاوز الخطوط الحمراء، فوساطة أو تفاوض، وبعدها بناء مرحلة جديدة من التعاون إلى أن يعيد التاريخ أحد الملفات القديمة إلى الواجهة، وربما، لهذا، تحديدا تبدو العلاقة بين الرباط ومدريد، رغم قوتها الاقتصادية والسياسية اليوم، واحدة من أكثر علاقات الجوار تعقيدا في غرب المتوسط.




