حرب ضروس بين المغرب و"خصومه" حول الاعتراف الأمريكي بمغربية الصحراء

يخوض المغرب منذ أواخر العام الماضي، حربا تُوصف بـ"المسعورة" من أجل الحفاظ على مكسبه الكبير الذي حققه بالاعتراف الأمريكي بمغربية الصحراء، وهذه الحرب لازالت مستمرة، وقد ازدادات حدتها مع رحيل دونالد ترامب، وتولي جو بايدن رئاسة الولايات المتحدة الأمريكية الذي يقود إدارة جديدة تبدو أكثر تحفظا على الإعلان عن مواقفها بشكل صريح، على الأقل إلى حدود الآن.

الحرب التي يخوضها المغرب، وإن كانت لا تبدو واضحة بشكل جيد لمتتبعي الأحداث عبر الواجهة، إلا أنه عند تتبع خيوطها خلف الأحداث وفي العمق، يظهر بجلاء أن المغرب يواجه العديد من الخصوم يسعون بكل السبل لدفع إدارة بايدن للتراجع عن قرار الاعتراف بمغربية الصحراء.

الاعتراف الأمريكي.. بداية الحرب

كان وقع اعتراف الولايات المتحدة الأمريكية، البلد الأكثر تأثيرا وقوة في العالم، في دجنبر 2020، بمغربية الصحراء، مزلزلا للأطراف المرتبطة بهذا النزاع، وبالخصوص جبهة البوليساريو الإنفصالية والراعي الرسمي لها، أي الجارة الجزائر، فكان ذلك بمثابة إعلان حرب بين المغرب والأطراف التي يُشكل الاعتراف الأمريكي لها، ضربا لمصالحها وهزيمة على المستويين الديبلوماسي والسياسي.

مباشرة بعد الاعتراف الأمريكي، شحذت الجزائر وسائل إعلامها لشن هجومات إعلامية على المغرب، سواء باختلاق أحداث غير موجودة، أو بالكذب على الرأي العام بأخبار مزيفة، في حين قررت جبهة البوليساريو من جانبها إطلاق بعض القذائف التي تنفجر في الهواء أو في رمال الصحراء وإيهام الرأي العام الدولي بوجود حرب بينها وبين المغرب، في حين أن الواقع كان يتحدث عن مناوشات بسيطة، الغرض منها استقطاب أنظار العالم، وهو الأمر الذي لم يتحقق كما كان تتمنى الجزائر والبوليساريو.

الحرب الإعلامية الجزائرية بتنسيق مع الأذرع الإعلامية لجبهة البوليساريو، لازالت إلى اليوم تواصل هجماتها على المغرب، فبعد خسارة المعركة على الأرض، لازال هناك آمل لهذه الأطراف بتحقيق انتصار معنوي على المستوى الديبلوماسي والسياسي، عن طريق تراجع الولايات المتحدة الأمريكية عن الاعتراف بمغربية الصحراء.

مراسلات ومطالب تكشف الخصوم

الاعتراف الأمريكي بمغربية الصحراء، كشف بأن المغرب لا يواجه الجزائر والبوليساريو فقط، بل ظهر أن هناك "خصوما" آخرين يشتركون في نفس مسعى الجزائر وجبهة البوليساريو، ويتعلق الأمر بكل من جنوب إفريقيا وإسبانيا اللذين عبرا عن عدم رضاهما بالقرار الذي اتخذه دونالد ترامب.

وتكشف المراسلات والمطالب التي وُجهت للإدارة الأمريكية الجديدة بالتراجع عن الاعتراف الأمريكي بمغربية الصحراء، حجم الحرب "المسعورة" التي يخوضها المغرب ضد كل هذه الأطراف، للحفاظ على مكسبه الشرعي الذي حققه مع الولايات المتحدة الأمريكية.

فبعد مطالبة البوليساريو والجزائر الولايات المتحدة الأمريكية بالتراجع عن قرار الاعتراف بسيادة المغرب على الصحراء، وهي مطالب ومراسلات لازالت مستمرة، آخرها بعث أعضاء البرلمان الجزائري رسالة إلى الرئيس الأمريكي جو بايدن يطالبونه فيها بالتراجع عن القرار المذكور، ظهرت أطراف أخرى تمارس ضغطها على الإدارة الأمريكية الجديدة لنفس الهدف الجزائري والإنفصالي للبوليساريو.

ففي يناير الماضي أقدم نواب برلمانيون محسوبون على حزب "بوديموس" الإسباني المشارك في حكومة بيدرو سانشيز، إلى جانب بعض النواب الإسبان الأخرين في بعث رسالة موقعة بأسماء بصفتهم كأعضاء في البرلمان الأوروبي، إلى الرئيس الأمريكي المنتخب، جو بايدن، يطالبونه بالتراجع عن القرار الاعتراف بمغربية الصحراء.

كما أن إسبانيا أعربت عبر وزيرة الخارجية، بأسلوب ديبلوماسي، عن آمالها في تراجع بايدن عن قرار الاعتراف بمغربية الصحراء والبحث عن حل للنزاع تحت غطاء الأمم المتحدة، وهي نفس الآمال التي أعربت عنها جنوب إفريقيا، التي تُعتبر من أكثر البلدان الإفريقية المساندة للطرح الإنفصالي، وهي الطرف الإفريقي الوحيد الذي لا زال يساير آمال الجزائر والبوليساريو في هذا السياق.

خصوم المغرب لا يتواجدون في الجزائر والبوليساريو وإسبانيا وجنوب إفريقيا فقط، بل حتى في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث تلعب الأموال الجزائرية دورا مهما في دفع بعض أعضاء الكونغريس للضغط على الإدارة الأمريكية للتراجع عن قرار الاعتراف بسيادة المغرب على الصحراء، فيوم أمس الأربعاء، قاد السيناتور جيم إنهوف والسيناتور باتريك ليهي فريقا مكونا من 25 عضوا في الكونغريس لبعث رسالة موجهة إلى جو بايدن يطالبونه بالتراجع عن قرار الاعتراف بمغربية الصحراء.

المغرب والشرعية والتعاون الإسرائيلي الأمريكي

في هذه الحرب الهوجاء التي يواجهها المغرب، يراهن على أوراقه المتاحة للدفاع عن مكسبه الذي حققه مع إدارة دونالد ترامب، متسلحا بشرعية مطلبه باعتبار أن الصحراء كانت تاريخيا وجغرافيا جزءا لا يتجزأ من المملكة المغربية، ولم تكن هناك أي دولة إسمها "الجمهورية العربية الصحراوية الديموقراطية" التي تروج لها الجزائر والبوليساريو.

كما أن مبادرة الحكم الذاتي للمناطق الصحراوية التي يقدمها لحل هذا النزاع تحظى بقبول عدد كبير من البلدان العالمية، ومن أبرزها الولايات المتحدة الأمركية التي لطالما أشادت بهذه المبادرة لإنهاء النزاع، حتى قبل الاعتراف الأخير بسيادة المغرب على أقاليمه الصحراوية.

ومن بين "الأسلحة" التي يعتمد عليها المغرب في حربه ضد خصوم وحدته الترابية، خاصة الذين يسعون إلى سحب الاعتراف الأمريكي بمغربية الصحراء، هو ربطه "البراغماتي" بين الاعتراف الأمريكي بالصحراء المغربية مقابل إعادة العلاقات الديبلوماسية مع إسرائيل، وأي تراجع أمريكي على الاعتراف، قد يكون له إنعكاسات على العلاقات المغربية مع إسرائيل.

ولا شك إن إسرائيل واعية بهذا الأمر، ونظرا للعلاقات المتينة بينها وبين أمريكا، فإن المغرب يراهن على هذا الأمر لمنع أي تراجع للإدارة الأمريكية الجديدة عن قرار الاعتراف.

اهتمام جو بايدن بقضايا أخرى، كالوباء الذي يعصف بالولايات المتحدة الأمريكية وبحثه عن حلول ناجعة للأزمات الاقتصادية نتيجة وباء كورونا، جعلت إدارته تُبقي مستقبل الاعتراف الأمريكي بمغربية الصحراء مُعلقا، وإن كانت الإشارات الأولى لهذه الإدارة قد أشادت بالاتفاقيات التي أبرمتها إسرائيل مع بلدان عربية، من ضمنها المغرب، وأكدت على أنها ستبني على تلك العلاقات، غير أن جميع الأطراف المرتبطة بنزاع الصحراء، لازالت تنتظر موقفا صريحا.

في ظل استمرار هذا الوضع، لازالت الحرب قائمة بين المغرب وخصومه، وكل طرف يحاول جر الإدارة الجديدة لاتخاذ قرار في صالحه، وهذا يلقي بتأثيره على العديد من القضايا بين المغرب والبلدان المجاورة، خاصة مع إسبانيا، حيث يرى متتبعون أن التأجيل المستمر للاجتماع الرفيع المستوى بين البلدين الذي كان مقررا في دجنبر الماضي ثم في فبراير الجاري، يرجع إلى الحرب المذكورة في انتظار إعلان بايدن عن موقف صريح بشأن الصحراء المغربية.

السبت 21:00
سماء صافية
C
°
16.34
الأحد
20.2
mostlycloudy
الأثنين
20.12
mostlycloudy
الثلاثاء
19.96
mostlycloudy
الأربعاء
20.36
mostlycloudy
الخميس
20.66
mostlycloudy