من الخارجية إلى مجلس الشيوخ.. جولة عائلة غليز تحرج باريس وتضع الجزائر تحت المجهر بعد الحكم القاسي على الصحافي الفرنسي
يبدو أن ملف الصحافي الفرنسي كريستوف غليز تحوّل من ملف قضائي إلى اختبار سياسي مكتمل الأركان يكشف حجم التوتر الصامت بين باريس والجزائر، ويضع الأخيرة في موقع المتَّهم بانتهاج مسار قضائي عقابي يستهدف الصحافيين ويستخدم العدالة كأداة في لعبة النفوذ السياسي.
فبعد الحكم الاستئنافي الذي صدر في 3 دجنبر عن محكمة تيزي وزو، وقضى بسجن الصحافي الفرنسي سبع سنوات بتهمة "تمجيد الإرهاب" بدأت عائلة غليز تتحرك داخل المؤسسات الفرنسية بمنطق الطوارئ، محاولة تفكيك الغموض الذي يحيط بملفه وفضح ما تعتبره "تلاعبا سياسيا بغطاء قضائي".
ومنذ اعتقاله، ظل ملّف غليز مشحونا بالأسئلة التي ترفض السلطات الجزائرية الإجابة عنها وسط انطباع متزايد بأن الحكم لم يكن نتاج مسار قضائي عادل بل انعكاسا لرغبة النظام الجزائري في إيجاد متنفّس سياسي يضغط من خلاله على باريس، في وقت تمر فيه العلاقات الثنائية بمنعطفات حادّة وهذا ما يفسّر بحسب مراقبين، السرعة التي تحاول بها عائلته كسر الجدار البيروقراطي الفرنسي، وإجبار الدولة على التعامل مع الملف على أنه قضية سياسية وليست حادثا عرضيا.
في بداية الأسبوع الجاري، اجتمعت والدة غليز وزوجها الذي ربّاه منذ سن الثانية عشرة بوزير أوروبا والشؤون الخارجية جان-نويل بارو في لقاء حمل نبرة قَلِقَة عبّرت فيها العائلة عن قناعتها بأن الحكم "غير مبرر" وأنه يندرج في سياق "مناخ عدائي متصاعد ضد الصحافيين الأجانب" في الجزائر، وتماهٍ واضح بين الجهاز القضائي والأجهزة الأمنية في قضايا تتعلق بحرية التعبير.
ولم تتوقف التحركات عند الحكومة، بل امتدت مباشرة إلى مجلس الشيوخ الفرنسي، حيث تستقبل الأسرة الاثنين المقبل ممثلين عن مختلف التيارات السياسية، قبل لقاء رئيس المجلس جيرار لارشيه، أحد أبرز الوجوه في اليمين الفرنسي.
وتحرص عائلة غليز على نقل رسالتها بوضوح "هذا ليس حكما قضائيا، بل قرار سياسي يهدف إلى إرسال إشارات عدائية إلى فرنسا" فيما يبدو أن هذه الرسالة تلقى صدى داخل أوساط تشريعية تعتبر أنّ الجزائر توظّف القضاء لإدارة خلافاتها الدبلوماسية.
في الجانب الجزائري، انطلقت الاتهامات في حق غليز تحت عنوان "تمجيد الإرهاب"وهي تهمة جاهزة كثيرا ما تُستخدم لقمع الأصوات المنتقدة لكن الملف الاتهامي، حسب منظمات دولية منها "مراسلون بلا حدود" يفتقر إلى الأدلة ويستند إلى تأويلات فضفاضة، ما جعلها تصف الحكم بأنه "عبثي" و"رسالة سياسية موجّهة قبل أن يكون قرارا قضائيا" وزادت المنظمة من حدّة لهجتها عندما قالت إن القضية "تكشف انهيارا مقلقا في ضمانات المحاكمة العادلة داخل الجزائر"
وتتجاوز القضية بعدها الإنساني إلى ما هو سياسي، إذ يرى خبراء العلاقات الفرنسية–الجزائرية أن الحكم يدخل ضمن مسار أكثر اتساعا، تسعى فيه الجزائر إلى تأكيد قدرتها على التصعيد كلما شعرت بأن نفوذها يتراجع، خصوصا بعد سلسلة الأزمات التي مزقت الثقة بين البلدين، آخرها الخلافات المتعلقة بالهجرة، والذاكرة، والمساعدات القنصلية ومغربية الصحراء ومن هذا المنظور، يصبح غليز "أداة" في لعبة أكبر، بينما تلوّح الجزائر بأنها قادرة على جعل ملفات الصحافيين ورقة مساومة.
على مستوى الرأي العام الفرنسي، أثارت القضية موجة من الغضب فالنظام الجزائري، الذي يقدّم نفسه كشريك أمني وحليف في مكافحة الإرهاب، يجد اليوم نفسه في موقف دفاعي بعد أن اتُّهم بتحويل قوانين مكافحة التطرف إلى سلاح لتكميم الصحافة الأجنبية وازدادت حدّة الغضب بعدما تداولت وسائل إعلام فرنسية وثائق تشير إلى ضعف الأدلة، وغياب شفافية الجلسات، وتقييد التواصل بين غليز ومحاميه.
وتكشف خلفية الملف أن الجزائر أصبحت خلال العامين الماضيين، أكثر تشددا مع الصحافيين الأجانب الذين يغطّون قضايا الفساد، أو الجيش، أو النفوذ السياسي داخل البلاد كمت ارتَفعت حالات الترحيل والمنع من العمل والمحاكمات في سياق يعكس تضييقا متزايدا على الفضاء الإعلامي وهو ما يعزز فرضية أن قضية غليز ليست استثناء، بل جزء من "هندسة ردعية" تُرسل الجزائر من خلالها إشارات بأنها غير مستعدة لقبول تغطية إعلامية لا تتوافق مع روايتها الرسمية.
ومع كل خطوة تقوم بها عائلة غليز داخل فرنسا، يزداد الضغط على الحكومة الفرنسية للتحرك بوضوح أكبر فالإدانات الرسمية لا تبدو كافية، والمسألة باتت تتعلق بمدى استعداد باريس للذهاب نحو مواجهة سياسية مع الجزائر من أجل صحافي أوروبي محكوم في ظروف مشكوك فيها.




