من الطموح إلى المحك.. هل تتحول استراتيجية الحياد الكربوني بالمغرب إلى ورش بيئي مُعلق وسط غياب التمويل وتضخم الكلفة الاجتماعية؟
وضعت المملكة المغربية سنة 2050 كأفق لتحقيق الحياد الكربوني، من خلال خريطة طريق متعددة الأبعاد تُوجّه السياسات القطاعية الكبرى نحو خفض انبعاثات الغازات الدفيئة، وتحقيق استقلال طاقي متدرج، وتحديث البنية الاقتصادية بالاستناد إلى الطاقة النظيفة والتكنولوجيا الخضراء.
الاستراتيجية التي كُشف عن معالمها خلال لقاء دراسي نظمه الائتلاف المغربي من أجل المناخ والتنمية المستدامة بشراكة مع فرق الأغلبية البرلمانية، تمثل أول تصور وطني شامل منخفض الكربون، يعكس التزام الدولة بخفض انبعاثاتها في سياق الوفاء بالاتفاقيات الدولية وعلى رأسها اتفاق باريس، وتنزيل التوجهات البيئية للنموذج التنموي الجديد، الذي جعل من الاقتصاد الأخضر أحد ركائزه الأساسية، لكن في مقابل هذا السقف الطموح، يطرح سؤال جوهري حول من سيدفع الكلفة الاجتماعية والمالية لهذا التحول، ففي غياب وضوح حول التمويل العمومي والعدالة الاجتماعية المصاحبة، يبرز خطر أن تتحول استراتيجية من المفترض أن تعزز الاستدامة إلى عبء ثقيل على الفئات الهشة والجهات الأقل اندماجا في الدورة الاقتصادية.
الوثيقة، التي قدمت باسم وزارة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة، وتتوفر عليها "الصحيفة" حددت خمسة محاور رئيسية تؤطر هذا التحول، أولها، تعميم النجاعة الطاقية وتقليص التبعية للوقود الأحفوري، لا سيما في الصناعة والنقل والبناء عبر تعويضه تدريجيا بالطاقات المتجددة وتثمين النفايات وتوسيع الاقتصاد الدائري، ثانيها دعم مرونة الاقتصاد المغربي من خلال تعزيز الفعالية الطاقية والانتقال نحو التكنولوجيا النظيفة بما في ذلك تطوير الهيدروجين الأخضر كمجال تصديري جديد، أما المحور الثالث، فيقوم على تنزيل أهداف قطاعية دقيقة في مجالات مثل الطاقة والنقل والصناعة والنفايات والفلاحة، بما يسمح لكل قطاع بخفض انبعاثاته وفق مسارات مخصصة ومؤشرات محددة.
وتراهن الحكومة في هذا السياق على إدماج الفلاحة والغابات ضمن جهود إزالة الكربون، عبر تبني نظم إنتاج ذكية مناخيا تعتمد على الحلول الطبيعية، وهي مقاربة من شأنها أن تعيد الاعتبار للوظائف البيئية للتراب الوطني وتربط الأمن البيئي بالأمن الغذائي، أما المحور الرابع، فيتعلق بالنمذجة والحكامة المندمجة، من خلال تتبع جماعي للتقدم المسجل، وتقييم مستمر للعقبات التي قد تعترض تنفيذ الإجراءات المناخية، إذ تُعتبر الحوكمة هنا عنصرا مركزيا في ضمان تنسيق السياسات العمومية وتقاطعها.
المثير في الوثيقة التي اطلعت عليها "الصحيفة"، هو الطرح الصريح للفوائد الاقتصادية المتوقعة، حيث تراهن الحكومة على تقليص تكاليف الاستيراد الطاقي بما يتيح توفيرا سنويا تدريجيا قد يصل إلى 9 مليارات دولار بحلول سنة 2050، وتؤكد الوثيقة أن هذه الوفورات ستمكّن من تعويض التكاليف الأولية المرتفعة المرتبطة بتنفيذ التحول الطاقي، خاصة ما يتعلق بالبنية التحتية وتكنولوجيا الطاقة النظيفة.
لكن، ورغم هذا التفاؤل الاقتصادي، فإن الرؤية التمويلية للاستراتيجية ما تزال ضبابية ذلك أنه من غير الواضح إلى الآن ما إن كانت الدولة ستتكفل بتمويل الانتقال الطاقي من الميزانية العامة، أم ستعتمد بشكل رئيسي على الشراكات الدولية والقطاع الخاص، وغياب خطة مالية واضحة يطرح تحديات حقيقية حول قدرة المغرب على الوفاء بالمسار الذي التزم به في المساهمة المحددة وطنيا في نسختها الثالثة (CDN 3.0)
الاستراتيجية تتضمن أيضا التزامات تنفيذية دقيقة، تشمل التخلص التدريجي من الفحم في أفق سنة 2040، ورفع مساهمة الطاقات المتجددة في إنتاج الكهرباء إلى 96 في المئة بحلول 2050، وتقليص واردات الوقود الأحفوري بنسبة 73 في المئة في نفس الأفق الزمني، كما تشمل نحو 90 إجراء قطاعيا لتقليل الانبعاثات، من قبيل النجاعة الطاقية، وتدبير النفايات، واحتجاز الكربون، وتوسيع شبكات الطاقة النظيفة.
ولتتبع الأداء وضمان الشفافية، وضعت الاستراتيجية نظام مراقبة وتقييم معروف بـMRV (Monitoring, Reporting and Verification)، يشمل مؤشرات خاصة بكل قطاع من أجل قياس التقدم نحو إزالة الكربون وتقييم فعالية التدخلات، كما سترافق هذه الدينامية إصلاحات مؤسساتية تهدف إلى تسهيل تمويل المشاريع الخضراء، وتبسيط الإجراءات الإدارية، وتعزيز جاذبية المغرب للاستثمارات المناخية، عبر مواءمة السياسات الوطنية مع الالتزامات الدولية.
وإن كانت الوثيقة الرسمية تؤكد أن هذه الاستراتيجية ستساهم في تحسين شروط العيش وخلق فرص اقتصادية واجتماعية جديدة، وتعزيز العدالة المناخية بين الأجيال، إلا أن ذلك يظل مشروطا بإرادة سياسية قوية لتأمين انتقال عادل، لا يستثني الفئات الهشة أو الجهات ذات القدرات المحدودة.
ومن غير الممكن، تحقيق حياد كربوني دون مراعاة الكلفة الاجتماعية والاقتصادية للمسارات الانتقالية، خاصة في ما يتعلق بقطاعات تشغيلية مهددة كتعدين الفحم والنقل التقليدي والصناعات الثقيلة، كما أن إشراك الجماعات الترابية والمجتمع المدني ليس فقط كشركاء في التنفيذ بل كفاعلين في التقييم وإعادة التوجيه، سيظل ضروريا لبناء ثقة مجتمعية واسعة حول هذا الورش البيئي الشامل.
وفي وقت لا جدال في أن المغرب اختار طريقا منسجما مع التحولات البيئية العالمية، واضعا لنفسه أهدافا استراتيجية ترتكز على التحول الطاقي وإزالة الكربون من الاقتصاد الوطني، إلا أن التحدي الأكبر لن يكون في صياغة الأهداف، بل في تدبير الكلفة، وتحقيق التوازن بين الاستدامة المناخية والعدالة الاجتماعية، بما يجعل من "الانتقال الأخضر" ليس فقط مشروعا تقنيا، بل تعاقدا سياسيا وتنمويا جديدا.
في هذا السياق، يرى الخبير في الاقتصاد البيئي والانتقال الطاقي، محمد الهبائي، أن الاستراتيجية الوطنية منخفضة الكربون "تمثل دون شك تحولا طموحا في خطاب الدولة المناخي، لكنها تصطدم بمعضلة أساسية تتعلق بغياب تصور تمويلي واضح، وقدرة الحكومة على تحويل الرؤية إلى مسارات تنفيذية قابلة للقياس".
وأوضح الهبائي، في تصريح لـ"الصحيفة"، أن التزامات المغرب المعلنة في النسخة الثالثة من المساهمة المحددة وطنيا (CDN 3.0) "تتطلب تعبئة تمويلات تفوق 18 مليار دولار، لتحقيق تقليص غير مشروط بنسبة 18.3 في المئة من الانبعاثات، و45.5 في المئة بالنسبة للسيناريو المشروط"، مضيفا أن حجم الاستثمارات الإجمالية اللازمة لتنزيل هذه الاستراتيجية وفق دراسات مستقلة، يتجاوز 45 مليار دولار بينما لا تتجاوز مساهمة الميزانية الوطنية سقف 10 مليارات دولار مما يطرح علامات استفهام حول مصدر تمويل الفارق، خاصة في ظل اشتداد المنافسة الدولية على موارد التمويل المناخي.
وتابع أن الانتقال من نموذج طاقي يعتمد بنسبة تفوق 90 في المئة على الوقود الأحفوري، نحو نموذج منخفض الكربون، يتطلب ليس فقط مشروعا تقنيا متدرجا، بل إصلاحا عميقا لبنية الإنتاج الطاقي، ولمنظومة الشغل المرتبطة به، مشيرا إلى أن بيانات الوكالة الدولية للطاقة توضح أن الكهرباء وحدها تُمثل نحو 48 في المئة من الانبعاثات القطاعية بالمغرب، مما يجعل قطاع الطاقة مركزيا في أي إصلاح مناخي.
وسجل الهبائي أن بعض المشاريع الكبرى، مثل الربط الكهربائي تحت البحر مع المملكة المتحدة، وتوسيع قدرة محطة نور للطاقة الشمسية، تمثل خطوات في الاتجاه الصحيح، لكنها تبقى معزولة إذا لم تُرفق بخطة تأهيل اجتماعي واضحة ذلك أن "الانتقال الطاقي العادل"، يقول الخبير، "لا يعني فقط إنتاج طاقة نظيفة، بل أيضا حماية مناصب الشغل، تأهيل الكفاءات، ومواكبة المقاولات الصغيرة التي ستتأثر بهذا التحول الهيكلي".
وختم تصريحه بالتشديد على أن "الرهان المناخي للمغرب لن يُربح فقط على طاولة التفاوض الدولي أو في نصوص الاستراتيجيات، بل في قدرة الدولة على تدبير التحول بأبعاده البيئية والاقتصادية والاجتماعية مجتمعة، مع ما يفرضه ذلك من شجاعة مؤسساتية وإصلاحات هيكلية عميقة".




