من اللجنة الرابعة لتصفية الاستعمار إلى وثائق ويكيليكس.. مسار المطالب المغربية باسترجاع سبتة ومليلية منذ الاستقلال
حافظ المغرب، منذ استعادة استقلاله سنة 1956، على مطلب استكمال وحدته الترابية واسترجاع الأراضي التي بقيت تحت الإدارة الإسبانية، وفي مقدمتها سبتة ومليلية والجزر والصخور المحتلة قبالة الساحل المتوسطي.
غير أن هذا الملف لم يسلك داخل الأمم المتحدة المسار نفسه الذي سلكته قضايا طرفاية وإفني والصحراء، إذ لم تُدرج سبتة ومليلية رسميا ضمن قائمة الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي، رغم محاولات مغربية متكررة لنقلهما إلى أجهزة تصفية الاستعمار.
وهكذا، ظهر أول طرح مغربي واضح أمام اللجنة الرابعة للجمعية العامة في نونبر 1960، عندما أكد المندوب المغربي أن المملكة تعتبر سبتة ومليلية وإفني والصحراء وباقي الأراضي الخاضعة للإدارة الإسبانية أجزاء من التراب المغربي.
وتوضح محاضر الاجتماع 1049 للجنة الرابعة، المنعقد في 14 نونبر 1960، أن المغرب طالب بتطبيق منطق إنهاء الاستعمار على مختلف الأراضي التي بقيت بيد إسبانيا، بينما ردت مدريد بأن الوضع القانوني لسبتة ومليلية يختلف عن إفني والصحراء، واعتبرتهما جزءا من الدولة الإسبانية.
وتكرر المطلب المغربي خلال دورات لاحقة للجنة الرابعة والجمعية العامة، حيث وصف ممثلو الرباط المدينتين والجزر المجاورة بأنها مناطق واقعة تحت إدارة استعمارية.
وتشير محاضر الجلسة العامة رقم 1049 إلى إدراج سبتة ومليلية إلى جانب إفني والصحراء ضمن الأراضي التي اعتبرها المغرب جزءا من وحدته الترابية، لكن الأمم المتحدة انتهت إلى معالجة إفني والصحراء باعتبارهما إقليمين خاضعين لتصفية الاستعمار، من دون إضفاء الوضع نفسه على سبتة ومليلية.
وجاءت المحاولة المغربية الأكثر وضوحا يوم 27 يناير 1975، عندما وجّه الممثل الدائم للمغرب لدى الأمم المتحدة رسالة رسمية إلى رئيس اللجنة الخاصة المعنية بتنفيذ إعلان منح الاستقلال للبلدان والشعوب المستعمرة، المعروفة بـ"لجنة الأربعة والعشرين". وطالب المغرب، في الوثيقة رقم "A/AC.109/475"، بإدراج سبتة ومليلية وصخرة الحسيمة وصخرة باديس وجزر الجعفريات ضمن قائمة الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي.
واعتبرت الرسالة أن هذه المواقع تمثل "آخر بقايا الاحتلال الاستعماري" في شمال المغرب، وأن وضعها التاريخي والسياسي والقانوني مماثل لوضع جبل طارق.
ردت إسبانيا برسالة مضادة في 25 فبراير 1975، أكدت فيها أن المدينتين والجزر جزء من وحدتها الوطنية، وأن وجودها فيها سابق لقيام الدولة المغربية الحديثة بصيغتها الحالية، حيث لم تستجب لجنة الأربعة والعشرين للطلب المغربي بإدراج الأراضي المذكورة ضمن القائمة الأممية، ولذلك ظلت سبتة ومليلية خارج جدول الأمم المتحدة الرسمي للأقاليم الخاضعة لتصفية الاستعمار.
وفي خطاب المغرب أمام الجمعية العامة بتاريخ 21 شتنبر 1999، اقترحت الرباط إنشاء لجنة مغربية إسبانية مشتركة للتوصل إلى تسوية نهائية لوضع سبتة ومليلية والجزر المجاورة، على غرار اللجان الثنائية التي تلجأ إليها الدول لمعالجة النزاعات السيادية، وتكرر الموقف سنة 2001، عندما دعا المغرب إسبانيا إلى إظهار حسن النية والتفهم تجاه ما وصفه بحقوقه المشروعة في المدينتين والجزر المحتلة.
وتكشف البرقيات الدبلوماسية الأمريكية المنشورة عبر "ويكيليكس" أن الملف كان حاضرا أيضا في تفاهمات غير معلنة بين الرباط ومدريد. ففي برقية مؤرخة في 25 أكتوبر 1975، نقلت السفارة الأمريكية في مدريد عن الوزير الإسباني خوسيه سوليس أن الملك الحسن الثاني أبلغه بأن المغرب، في حال التوصل إلى اتفاق بشأن الصحراء، لن يطرح مستقبل سبتة ومليلية إلا بعد أن تسوي إسبانيا وبريطانيا نزاعهما حول جبل طارق، وقد قُدمت العبارة حينها باعتبارها إشارة إلى تأجيل الملف إلى مرحلة لاحقة، لا تخليا عنه.
وتكشف برقية أخرى مؤرخة في 8 ماي 1979 أن الملك الإسباني خوان كارلوس ناقش مع السيناتور الأمريكي إدموند موسكي تصورات عملية للحل، إذ رأى، وفق الوثيقة، أن مليلية قد تُنقل إلى المغرب خلال مدة قصيرة، بينما ستكون سبتة أكثر تعقيدا بسبب عدد سكانها الإسبان، واقترح لها صيغة تدويل أو نظاما شبيها بمدينة طنجة الدولية، كما عبّر عن خشيته من أن يؤدي غياب الحل إلى تكرار سيناريو "المسيرة الخضراء".
وتظهر هذه الوثائق أن المغرب لم يتنازل عن مطلبه، لكنه انتقل تدريجيا من محاولة تدويل الملف عبر آليات تصفية الاستعمار إلى إبقائه ضمن الحوار الثنائي مع إسبانيا، أما الأمم المتحدة، فلم تصنف سبتة ومليلية حتى اليوم ضمن الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي، وظل جبل طارق، على خلافهما، مدرجا رسميا على أجندة اللجنة الرابعة، وهو ما يفسر استمرار التباين بين المقاربة المغربية والموقف القانوني الذي تتمسك به مدريد.




