من المحاميين إلى العدول مرورا الجامعات..وهبي يوسّع جبهة صداماته بمشروع قانون مهنة المحاماة ويُفجّر مواجهة مع أساتذة القانون بسبب شرط الاستقالة وسقف 55 سنة
عاد وزير العدل عبد اللطيف وهبي لفتح جبهة مواجهة جديدة داخل ورش إصلاح العدالة، بعدما وسّع دائرة الصدام إلى قلب الجامعة المغربية بإشعال غضب أساتذة القانون الخاص بسبب مشروع قانون المحاماة الذي يُتهم بتكريس "إقصاء ممنهج" للكفاءات الأكاديمية، عبر فرض التنافي مع التدريس واشتراط الاستقالة وتحديد سن الولوج.
وتحول المشروع، الذي كان يُفترض أن يشكّل محطة لإعادة هيكلة مهنة المحاماة وتحديثها سريعا إلى بؤرة توتر جديدة مع وهبي بعدما قرأت فيه كليات الحقوق ما يتجاوز التنظيم التقني للمهنة نحو إعادة رسم حدودها بشكل يُقصي فاعلا مركزيا في إنتاج المعرفة القانونية فالمادتان 13 و14 اللتان تُعتبران قلب الخلاف استقبلت داخل الجامعة كتحوّل تشريعي يمسّ موقع الأستاذ الجامعي في منظومة العدالة برمتها.
ومن المحمدية إلى تطوان ومن الجديدة إلى مكناس وأكادير ومراكش، خرجت بلاغات ومواقف متتالية لشعب القانون الخاص وفروع النقابة الوطنية للتعليم العالي، تُجمع على رفض الصيغة الحالية للمشروع وتطالب بتعديل صريح يُقرّ بحق الأستاذ الجامعي في الجمع بين التدريس وممارسة المحاماة بدل تكريس حالة تنافٍ يعتبرها الأساتذة "مصطنعة" ولا سند لها في التجارب المقارنة.
لغة هذه المواقف والبلاغات المعبر عنها حملت نبرة سياسية ومؤسساتية واضحة حيث تم التشديد على أن التعامل مع الأستاذ الجامعي كـ"أجنبي" عن المهنة أو كفاعل ثانوي يخضع لشروط الولوج العامة، يُفرغ الإصلاح من بعده الاستراتيجي ففي كلية الحقوق بالمحمدية، وُصف هذا التوجه بأنه تناقض صارخ واعتراف ضمني بخبرة الأستاذ عبر بعض الامتيازات يقابله في الآن ذاته فرض عراقيل بنيوية تُفرغ ذلك الاعتراف من مضمونه.
الاعتراض لم يقف عند حدود المبدأ، بل امتد إلى تفاصيل المشروع وعلى رأسها شرط الاستقالة من الوظيفة الجامعية كمدخل للالتحاق بالمحاماة فهذا الشرط، الذي تصفه البلاغات بـ"التعجيزي" طرح كإشكال مزدوج:فهو من جهة يُجبر الأستاذ على الاختيار بين مسارين يفترض أن يكونا متكاملين، ومن جهة ثانية يُهدد بإفراغ الجامعة من كفاءات راكمت خبرة علمية ومهنية، في لحظة تحتاج فيها منظومة العدالة إلى مزيد من التفاعل بين النظرية والتطبيق.
أما شرط تحديد سن الولوج في 55 سنة، فقد فجّر بدوره موجة انتقادات واسعة، إذ اعتبره الأساتذة تمييزا غير مبرر لا يستقيم مع طبيعة الخبرة الأكاديمية التي لا ترتبط بعمر زمني بل بتراكم معرفي وعلمي وفي هذا السياق، برز خطاب موحد داخل مختلف الكليات يؤكد أن "الخبرة لا تشيخ" وأن تقييدها بسقف عمري يُفرغها من قيمتها.
في كلية الحقوق بتطوان، تم التعبير عن "قلق بالغ" من "إقصاء غير مؤسس" للأستاذ الجامعي، مع التأكيد على أن كليات الحقوق ليست مؤسسات تكوين معزولة بل جزء عضوي من المنظومة القضائية تغذيها بالبحث والاجتهاد ونفس الطرح تكرر في الجديدة، حيث تم الدفاع عن الجمع بين التدريس والمحاماة كرافعة لتطوير الاجتهاد القضائي وفي مكناس حيث تم توصيف التنافي كعائق هيكلي يعمّق الفجوة بين النظرية والتطبيق.
وتذهب مواقف الجامعيين والنقابات أبعد من ذلك حين تستحضر السياق الدولي، مؤكدة أن أغلب التشريعات المقارنة تتجه نحو إقرار مبدأ الجمع بين المهنتين باعتباره آلية لإنتاج تكامل خلاق بين البحث العلمي والممارسة المهنية وفي هذا المنظور، لا يُنظر إلى الأستاذ المحامي إلا كفاعل مزدوج يُسهم في نقل المعرفة من المدرج إلى المحكمة ومن الواقع القضائي إلى قاعة الدرس.
داخل هذا السجال برز أيضا بُعد رمزي قوي، حيث تم توصيف مبدأ التنافي بـ"البدعة" في إشارة إلى كونه خيارا تشريعيا معزولا عن الاتجاهات الحديثة كما تم التحذير من أن تكريس منطق الانغلاق والاحتكار المهني لا يخدم ورش التنمية، ولا يواكب التحولات التي يعرفها العالم في ربط الجامعة بمحيطها الاقتصادي والاجتماعي.
وفي هذا الإطار، قال سعيد الأنصاري عضو النقابة الوطنية للتعليم العالي في حديثه لـ "الصحيفة" إن "ما يفعله عبد اللطيف وهبي اليوم ليس إصلاحا لمهنة المحاماة، بل إنتاج جبهة توتر جديدة داخل منظومة العدالة وهذه المرة مع أساتذة القانون الذين يفترض أنهم جزء من الحل لا خصوما يجب إبعادهم".
واعتبر الأنصاري أن "مشروع القانون رقم 66.23 كما هو مطروح، لا يكتفي بتنظيم الولوج إلى المحاماة بل يضع الأستاذ الجامعي أمام معادلة قاسية إما أن يتخلى عن الجامعة عبر شرط الاستقالة أو يُحرم من ممارسة مهنة ترتبط مباشرة بتخصصه العلمي والبحثي".
وتابع المتحدث ذاته أن "الإبقاء على المادتين 13 و14 بصيغتهما الحالية، مع تكريس التنافي وفرض شرط الاستقالة وتسقيف الولوج في 55 سنة، يعني عمليا أن الوزارة تعترف بخبرة الأستاذ الجامعي حين تحتاجها في التكوين والاستشارة والبحث لكنها تُقصيه حين يتعلق الأمر بالممارسة المهنية داخل ردهات المحاكم".
وهذا تناقض "غير مفهوم" وفق تعبير النقابي يمثل هدرا لكفاءات كوّنت أجيالا من القضاة والمحامين والموثقين والعدول، ما دفع أصواتا نقابية وجامعية بتعديل المادتين 13 و14، وحذف شرط الاستقالة وشرط 55 سنة، والتنصيص على إمكانية الجمع بين التدريس الجامعي والمحاماة.
وزاد المصدر النقابي "وهبي فتح قبل ذلك مواجهة مع العدول حول مشروع القانون رقم 16.22، ووصل الأمر إلى احتجاجات ومطالب بسحب النص من البرلمان وإعادته إلى الحوار واليوم تتكرر المنهجية نفسها مع أساتذة القانون لكن المشكل لم يعد في هذه المادة أو تلك فقط، بل في طريقة إنتاج الإصلاح بين نصوص تُنزل من فوق، ثم تُفاجأ الوزارة بأن كل فئة مهنية تعتبر نفسها مستهدفة"
وكانت هيئات العدول قد طالبت بدورها بسحب مشروع قانون تنظيم المهنة، كما قررت الاستمرار في إضراب وطني احتجاجا على المشروع وتصريحات وزير العدل.
وشدد المتحدث، على أنه "لا يمكن إصلاح العدالة بعقلية فتح الجبهات فالجامعة ليست خصما للمحاماة والأستاذ الباحث ليس دخيلا على المهنة، بل هو أحد منتجي المعرفة القانونية وإذا كانت الوزارة تريد فعلا تجويد العدالة فعليها أن تربط البحث بالممارسة لا أن تفصل بينهما بنصوص تُغلق المهنة وتحوّل الإصلاح إلى مصدر احتقان دائم".
ولا تبدو الجبهة الجديدة التي فتحها عبد اللطيف وهبي مع أساتذة القانون معزولة عن سياق أوسع من التوترات التي طبعت مسار إصلاح المهن القانونية خلال السنوات الأخيرة إذ تتابعت مؤشرات الاحتقان داخل أكثر من مكوّن مهني من هيئات العدول إلى أجزاء من جسم المحاماة نفسها مرورا بنقاشات حادة حول الولوج إلى المهن القضائية وشروطها.
وهذا التراكم، ارتبط في جزء منه بطبيعة المقاربة التي وُصفت من قبل مهنيين بأنها تميل إلى الحسم التشريعي السريع أكثر من بناء التوافقات وهو ما جعل كل محطة إصلاحية تتحول إلى بؤرة نقاش وصدام بدل أن تكون لحظة إجماع مهني ومؤسساتي.
وفي إطار ورش إصلاح منظومة العدالة، فتحت الوزارة فتحت بالفعل عددا من الملفات المتزامنة تشمل تحديث القوانين المؤطرة للمهن القانونية والقضائية، ومراجعة شروط الولوج، وإعادة تنظيم الهيئات المهنية، في سياق يندرج ضمن تنزيل التوجيهات الكبرى لإصلاح العدالة غير أن تعدد هذه الأوراش بالتوازي دون إيقاع توافقي كافٍ مع مختلف الفاعلين ساهم في توسيع دائرة الاعتراضات حيث بات كل مشروع قانون يُستقبل بقراءة نقدية حادة من الفئة المعنية به كما يحدث اليوم مع أساتذة القانون الخاص. وفي هذا الإطار، لا يمكن فصل الجدل الحالي عن دينامية أوسع تُظهر حساسية عالية لأي تغيير يمس توازنات المهن القانونية أو يعيد رسم حدودها.
كما أن هذا التوتر يتغذى من رهانات موضوعية مرتبطة بسوق المهن القانونية في المغرب، حيث تشير تقديرات مهنية إلى ارتفاع عدد الخريجين من كليات الحقوق سنويا مقابل محدودية فرص الاندماج في المهن المنظمة، ما يجعل شروط الولوج والتنافي موضوعا شديد الحساسية.
وفي ظل هذا الضغط، يُنظر إلى أي تضييق إضافي سواء عبر سن الولوج أو شروط الجمع بين المهن كعامل يزيد من حدة المنافسة ويعيد توزيع الفرص داخل الحقل المهني وهو ما يفسر حدة ردود الفعل.
وفي المقابل، تدفع الوزارة بحسب الخطاب الرسمي المصاحب لهذه الإصلاحات، في اتجاه تأطير أكثر صرامة للمهنة وضمان جودة الممارسة وحماية المتقاضين وهو هدف لا يُنازع فيه من حيث المبدأ لكنه يصطدم بسؤال المنهجية.




