من "بلادي بلاد" إلى "عاش الشعب".. الراب المغربي الذي تجاوز "الخط الأحمر"

اعتادت أغاني الراب منذ انتشارها بقوة في المغرب أواخر عقد الألفينات، الخروج عن المألوف فنيا وتعبيريا، إذ جعلت كلماتها الحادة والمباشرة وأنغامها الصاخبة والسريعة، التي تكسر القواعد التقليدية للموسيقى والغناء في المغرب، الكثير من الفنانين يتحفظون على تصنيفها في خانة "الفن"، في الوقت الذي تعاملت معها السلطة بحساسية شديدة، بسبب رسائلها المنتقدة للأوضاع القائمة في البلد والتي تلقى تجاوبا كبيرا من طرف الشباب.

غير أن بعض الأغاني خلقت الجدل أكثر من غيرها، بقدرتها على انتقاد جهات وظواهر كانت محرمة بحكم الأمر الواقع حتى على مغني "الراب" أنفسهم، وإن كانت أغنية "عاش الشعب" التي لا زال الجدل بخصوصها قائما إلى الآن، هي آخر تلك الأغاني فإن أخرى سبقتها لنهج أسلوب النقد الحاد والمباشر لمؤسسات الدولة وإلى إثارة جدل بلغ حد الانقسام حول مضمونها.

الحاقد.. "كلاب الدولة"!

كان معاذ بلغوات، الشهير بـ"الحاقد"، أحد مغنيي "الراب" الذين قرروا أن لا يبقى الغضب الذي يعتريهم مخزنا فقط في كلمات أغانيهم، حين قرر أن ينزل رفقة محتجي "حركة 20 فبراير" إلى الشارع مطالبا بإسقاط الفساد والاستبداد و"المخزن"، لكن رغم ذلك لم تكن الشعارات التي يرددها في المسيرات الاحتجاجية "قاسية" على السلطات بقدر ما فعلت أغانيه.

ولم يكن أحد يتوقع من "الحاقد"، الذي حصل فيما بعد على اللجوء في بلجيكا، أن يكون "مهادنا" في أغانيه، فهو لم يفعل ذلك حتى عندما غنى "هاني جاي" والتي استهدفت المؤسسة الملكية بشكل مباشر، لكن أقسى ما غناه والذي تسبب له في دخول السجن، كانت أغنية "كلاب الدولة"، التي هاجم فيها بشكل مباشر جهاز الأمن، متهما أفراده بالاعتداء على المواطنين وبـ"الارتشاء واللصوصية".

"كنتمنى شي نهار تعاملني.. كمغربي حر ماشي تقمعني.. تخرج فيا عينيك بسمية البوليس تحتقرني.. تلعب عليا بدوك الكرايد.. الحاقد بوبري ماشي ولد القايد"، كان ذلك هو أخف المقاطع حدة في الأغنية التي لا تزيد مدتها على 3 دقائق و15 ثانية، والتي صيغة كلماتها على شكل جدال بين مواطن غاضب وشرطي "ظالم"، وهي مدة كانت كافية لتتم متابعة "الحاقد" قضائيا والزج به في السجن لمدة سنة.

بيغ.. "بلادي بلاد"

قد يكون اسم مغني الراب توفيق حازب، الشهير بـ"دون بيغ"، مرتبط حاليا بـ"الكلاشات" الموجهة إلى مغنيي الراب "الجدد" كما يصفهم، لكن الرجل الذي كان من أوائل الذين أدخلوا ثقافة "الهيب هوب" للمغرب صنع الحدث قبل عقد من الزمن بأغاني "مفرطة في الجرأة" بمعايير تلك الفترة، إحداها أغنية "بلادي بلاد" التي جمعته بـ"الرابور الكولونيل".

ففي 2009 أصدر "بيغ" واحدة من أبرز أغانيه "المرجعية" التي أعطته مكانة كبيرة بين فناني الراب، والتي لا زال الكثيرون إلى الآن يعتبرونها أفضل ما غنى "الخاسر" كما كان يلقب نفسه، ففي مدة تقل عن 5 دقائق استطاع الثنائي "بيغ" و"الكولونيل" رسم صورة قاسية ولكن واقعية لما يدور في المغرب من تناقضات، واضعين أصبعيهما على الكثير من مظاهر الفساد والريع.

فبالنسبة لـ"بيغ" بلده هو "بلاد البرلمان نصو كللو ناعس.. الربع لاخر مغيب والربع اللي بقى ليهم لاحس"، وهو "بلد الثراث والأصالة" وفي الوقت نفسه "بلد اللعاقة والشفارة"، وهو "بلد شكون نتا ماشي غير آش درتي"، وبلد "ضرب مليار وخرج غدا كفالة"، وهو أيضا بلد أصحاب الشواهد العاطلين عن العمل والرشوة والدعارة وحماية رجال السلطة.. ولأن "بيغ" استطاع عن يصف كل ذلك بكلمات سريعة موجزة ومباشرة، فقط اعتبره الكثيرون حينها "ملك الراب" في المغرب.

مسلم.. "الرسالة"

تميز مغني الراب محمد الهادي المزوري، الشهير بـ"مسلم"، عن باقي فناني مجاله بالقدرة على المزاوجة بين نقل تناقضات وتحديات الواقع، وبين كسب جمهور من خارج فئة الشباب والمراهقين، وهو أمر غير معهود بالنسبة لجل مغنيي الراب المغاربة، الذين لا تلقى لغتهم القاسية المليئة بالكلمات النابية ترحيبا من لدن أرباب الأسر.

وسيرا على هذا النهج بلغ مسلما ذروة نجاحه سنة 2014، مع إصدار ألبوم "التمرد" وتحديدا بفضل أغنية "الرسالة"، التي وصل تعداد مشاهداتها حاليا على "اليوتوب" أكثر من 22 مليون مشاهدة، وفيها استطاع مسلم تلخيص معاناة الشباب المغربي مع البطالة واليأس والفقر، في مدة لا تزيد عن 4 دقائق و48 ثانية، تكلم فيها بلسان الشاب الفقير الغاضب الذي لم تنفعه إمكانياته في إيجاد عمل مناسب، لأن الزبونية والمحسوبية أعطت موقعه لمن لا يستحقه.

وحملت الأغنية تحذيرات مباشرة للحكومة من انفجار غضب الشباب اليائس "يا غتشوفولنا شي حل يا غنوضوا قربالة.. قبل ما يفوت الفوت أما هادي غير رسالة"، كما اتهمت، من خلال كلمات قال مسلم إن حروفها "خارجة من القلب"، أصحاب المسؤولية المشغولين بمصالحهم الذاتية بإقبار آمال المغاربة في بلد لا يوجد فيه إلا "السراب" و"قانون الغاب".

"عاش الشعب"

منذ سنوات لم تثر أغنية راب الجدل مثلما أثارته أغنية عاش الشعب للثلاثي "لزعر" و"الكناوي" و"ولد الكرية"، فالأغنية التي تتكون من 3 مقاطع، لم تكتف بانتقاد الوضع المعيشي للمغاربة وتفشي ظواهر مثل الهجرة السرية والبطالة وتعاطي المخدرات، كما لم تقف عند انتقاد الحكومة أو السلطات الأمنية، بل وجهت سهامها للملك بطريقة مباشرة وغير معهودة.

واختار "لزعر" في مقطعه أن يتطرق لمواضيع جديدة في عالم "الراب" المغربي، مثل حراك الريف وانتشار زراعة المخدرات في شمال المملكة ووضع عائلات الجنود المغاربة الواقفين على الحدود، ومشكلة الأساتذة المتعاقدين والاقتطاعات التي تستهدف الموظفين المضربين، فيما تناول "الكناوي" مواضيع أخرى من قبيل الفقر والتفاوتات الاجتماعية وإهدار الكرامة، متسائلا كيف يمكن أن يحب وطنا تنتشر فيه هذه الأمور.

غير أن المقطع الأخير الذي غناه "ولد الكرية"، كان الأكثر إثارة للجدل، بتطرقه بشكل واضح لشخص الملك ولمستشاره أندري أزولاي، مبديا إيمانه بقناعاته ولو أدى ذلك إلى "قتله"، الشيء الذي قسم متابعي الأغنية إلى فريقين، الأول يطالب بمعاقبة الثلاثي باعتباره "محرضا ضد المؤسسة الملكية"، والثاني يدافع عن حق المغنين الثلاثة في "التعبير عن آرائهم بحرية".

الخميس 0:00
غيوم متفرقة
C
°
17.33
الخميس
20.94
mostlycloudy
الجمعة
21.19
mostlycloudy
السبت
20.38
mostlycloudy
الأحد
20.14
mostlycloudy
الأثنين
19.03
mostlycloudy