عبدالفتاح المنطري
الثلاثاء 15 شتنبر 2026 - 17:30

من يُنصف المتقاعدين بعد تنفيذ ما سُمّي بخطة إصلاح صندوقي التقاعد والمقاصة؟

خرج علينا مرة أخرى زعيم حزب العدالة والتنمية ليقول إن الحفاظ على العقيدة والدين أهم من غلاء الأسعار، وهو الذي بدأت، في عهد حكومته، إجراءات أثرت بشكل مباشر في الطبقة المتوسطة، ومن ضمنها شريحة المتقاعدين، وأثقلت كاهلها بالديون، خصوصًا بعد تحرير سوق المحروقات دون توفير، في حينه، ضمانات قانونية كافية لضبط هذه السوق ومراقبتها.

كما أقدمت حكومته على تنفيذ ما سُمّي بخطة إصلاح صندوق التقاعد بثالوثها الذي كان قاسيًا على موظفي الدولة، وهو ما ظل أثره حاضرًا إلى اليوم في أوضاع عدد كبير من المتقاعدين.

وبالطبع، قد لا يعني غلاء الأسعار الكثير لمن يتقاضى معاشًا مريحًا يجنبه ضغط المصاريف اليومية، حتى لو ارتفعت أسعار اللحوم أو المحروقات إلى مستويات قياسية. فالمعاناة الحقيقية مع الأسعار يعيشها أساسًا المواطن محدود الدخل، والمتقاعد الذي يعتمد على معاش ثابت في مواجهة كلفة معيشة تتغير باستمرار.

وقد يبدو غلاء الأسعار أمرًا ثانويًا بالنسبة لمن يستطيع إقناع جزء من الفقراء والمستضعفين بأن الفقر قناعة، وأن الفقراء سيدخلون الجنة، وأن المغاربة «شعب الخبز وأتاي» ويشتكون من الظلم أكثر مما يشتكون من الفقر، في وقت يعيش فيه كثير من المسؤولين في الأحزاب والحكومة حياة بعيدة تمامًا عن تفاصيل المعاناة اليومية للمواطن البسيط.

وربما غابت في هذا السياق أقوال شهيرة ارتبطت تاريخيًا بخطورة الفقر وآثاره، من قبيل: «لو كان الفقر رجلًا لقتلته»، و«الفقر أخو الكفر»، وغيرها من المقولات التي تعكس خطورة الفقر حين يتحول من وضع اقتصادي إلى حالة اجتماعية تمس الكرامة والاستقرار.

وسبق أن سُئل عبد الإله ابن كيران من طرف أمريكية عن الكيفية التي يمكن بها تدبير شؤون شعب فقير، فرد بأن المغاربة لا يشتكون من الفقر لأنهم اعتادوا عليه وتعايشوا معه، وأنهم شعب يتغذى على الخبز والشاي ويكره الظلم.

وكأن المواطن المغربي صار، وفق هذا التصور، شعبًا «ملقحًا ضد الرفاهية»، لا تهمه السيارة الفارهة، ولا اليخت الفاخر، ولا الفيلا الواسعة، ولا الساعات السويسرية ولا العطور الباريسية، ولا السفر ولا الاستفادة من خيرات بلده البحرية والبرية، بل يكفيه ما يسد رمقه ويضمن له الحد الأدنى من العيش.

يكفيه، في هذه الصورة الساخرة، أن يقضي مآربه ببغلته أو دراجته الهوائية أو النارية أو «التريبورتور»، أو بسيارة قديمة، وأن يتنقل بما هو متاح، دون أن يكون له حق طبيعي في الطموح إلى حياة أفضل.

وإذا مرض، فعليه أن يبحث عن الدواء عند أقرب عطار أو عشاب، أو ينتظر طويلًا في مستوصف الحي أو مستشفى الإقليم، في طوابير تتحول إلى فرصة للتعارف والمواساة بين المرضى، إلى أن يظهر الطبيب أو المسؤول الصحي لمعرفة «الخبر اليقين» بشأن موعد العلاج أو الاستشفاء.

وفي موسم الانتخابات، قد يُطلب من المواطن نفسه أن ينسى كل هذه المعاناة مقابل ورقة نقدية أو وعود عابرة، رغم علمه بأن صوته يساوي مستقبله ومستقبل أسرته. لكنه قد يقول في نفسه إن الفرصة لا تتكرر كثيرًا، وإن ما يدخل جيبه في تلك اللحظة قد يحتاج، في الظروف العادية، إلى أيام طويلة من العمل والتعب.

فهو يعيش يومه، ولا ينتظر أرباحًا من البورصة، ولا فوائد بنكية، ولا مداخيل من مضاربات عقارية، ولا ريعًا متأتيًا من مأذونيات النقل أو من خيرات البلاد برًا وبحرًا.

في هذا السياق، ومع اقتراب الاستحقاقات التشريعية المقبلة، طالبت فيدرالية المتقاعدين بالمغرب بإقرار زيادة فورية عامة قدرها 2000 درهم شهريًا في معاشات التقاعد، مع تحديد حد أدنى للمعاشات لا يقل عن 3000 درهم شهريًا، ضمن ملف مطلبي قالت إنها تواصل الدفاع عنه لدى الحكومة والمؤسسات المعنية.

وأشارت الفيدرالية، في بلاغ لها، إلى أن الدخول الاجتماعي الجديد يتميز بما وصفته بـ«التوتر الاجتماعي وغلاء المعيشة وتدهور القدرة الشرائية وتكريس مظاهر الفساد وتراجع الخدمات العمومية»، معتبرة أن هذه الأوضاع أضرت بشكل مباشر بالفئات ذات الدخل المحدود، وفي مقدمتها المتقاعدون والمتقاعدات وذوو الحقوق والأرامل.

كما استحضرت الفيدرالية الأوضاع الدولية التي وصفتها بالبالغة الخطورة، والمطبوعة بتصاعد الحروب والنزاعات الإقليمية، إلى جانب سياق الاستحقاقات التشريعية المرتقبة في 23 شتنبر 2026، وما يرافقها، بحسبها، من صراعات سياسية وتراشقات بين الأحزاب، فضلًا عن تنامي ظاهرة الترحال واستقطاب الأعيان واستعمال المال لشراء أصوات الناخبين.

وأشار البيان إلى أن المكتب التنفيذي للفيدرالية عقد لقاءات مع رؤساء الفرق والمركزيات النقابية بمجلس المستشارين، كما راسل الجهات المسؤولة، وفي مقدمتها رئاسة الحكومة ورؤساء الفرق البرلمانية ومؤسسات الحكامة، وأرفق مراسلاته بالملف المطلبي الخاص بالمتقاعدين.

وأكدت الفيدرالية أن الانتخابات التشريعية المقبلة، رغم ما وصفته بـ«محدودية شروط الممارسة الديمقراطية واستمرار العوامل التي تفرغ المؤسسات المنتخبة من أدوارها»، تظل محطة سياسية مهمة لربط المسؤولية بالمحاسبة والتصدي لاستعمال النفوذ والمال.

ودعت الأحزاب المشاركة في الانتخابات إلى وضع ملف المتقاعدين والمتقاعدات والأرامل وذوي الحقوق ضمن أولويات برامجها الانتخابية، مشددة على أن هذه الفئة «ليست رقمًا متجاوزًا في أرشيف الإدارات العمومية، ولا أصواتًا انتخابية موسمية تُستغل سياسيًا»، بل تمثل، بحسب الفيدرالية، كتلة انتخابية قادرة على التأثير في المشهد السياسي وفي موازين القوى.

وتتمثل أبرز مطالب الفيدرالية في إقرار زيادة فورية عامة قدرها 2000 درهم في المعاشات، وإنصاف المتقاعدين والمتقاعدات وصيانة كرامتهم، إلى جانب مراجعة القوانين التي تمنع الزيادة في المعاشات، والتي تعتبرها الفيدرالية غير ملائمة للتحولات الاجتماعية والاقتصادية الحالية.

كما تطالب بألا يقل الحد الأدنى للمعاش عن 3000 درهم شهريًا، بما يضمن حدًا أدنى من العيش الكريم لكل متقاعد ومتقاعدة، وباستفادة الأرملة من معاش التقاعد كاملًا بدل نصفه، صيانةً للكرامة والاستقرار الأسري.

وحمّلت الفيدرالية الجهات الحكومية الوصية مسؤولية تدهور الوضع المعيشي للمتقاعدين، مطالبة، فيما يتعلق بما تصفه بهدر ونهب أموال صناديق التقاعد، بتفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، واسترجاع الأموال التي تعتبرها مهدرة أو منهوبة، وتوجيهها إلى تحسين أوضاع المتقاعدين.

كما جددت مطلبها بتمكين هذه الفئة من خدمات اجتماعية لائقة، وفي مقدمتها التغطية الصحية التي تشمل تكاليف التطبيب والأدوية والعلاج، إلى جانب تنزيل الاتفاقيات المبرمة بين الحكومات والنقابات، وعلى رأسها اتفاق 26 أبريل 2011.

وفي ختام بيانها، شددت الفيدرالية على أن «كرامة المتقاعد من كرامة الوطن»، وأن أي إصلاح حقيقي لا يمكن أن يتحقق من دون إنصاف فئة قدمت الكثير خلال سنوات العمل، وتستحق اليوم أن تعيش بكرامة بعد التقاعد.

الآراء الواردة في مقالات الرأي تعبر عن مواقف كاتبيها وليس على الخط التحريري لمؤسسة الصحيفة
The comments are closed in this post

بركة وبؤس تصفيق الاستقلاليين على الغنيمة!

في السياسة، قد تكشف لحظة تصفيق ما تخفيه عشرات الخطب، هكذا بدا المشهد، اليوم، حين أعلن نزار بركة، الأمين العام لحزب الاستقلال، أمام المجلس الوطني لحزبه، أن المجلس الوطني للأصالة ...

استطلاع رأي

هل حان الوقت للمغرب لإدراج ملف مدينتي سبتة ومليلية أمام لجنة الـ24 المعنية بتصفية الاستعمار بالأمم المتحدة؟

Loading...