موسم الاستمالة
ثمة مفارقة تستحق أن تُقرأ بعيدا عن كل ضجيج انتخابي. فكلما اقترب موعد الاقتراع، ارتفعت الدعوات إلى الشباب، وتكاثفت حملات الحث على التسجيل والمشاركة والانخراط. غير أن لب المسألة لا يتعلق بمضمون الدعوة، بقدر ما يتعلق بالشرط الذي يجعلها لازمة إلى هذا الحد. فما الذي يجعل الانخراط السياسي، في كل مرة، محتاجا إلى أن يُطلب؟
هل يعني ذلك أن السياسة لم تستقر بعد، بصورة تلقائية، كفضاء مشترك؟ فضاء لا يحتاج إلى من يذكر الناس بوجوده؟ ذلك أن ما يندمج في نسيج الحياة الجماعة لا يتحول إلى موضوع تعبئة موسمية. ومن ثم، لا تكمن دلالة هذه الدعوات فيما تعلنه، بل فيما تفترضه ضمنا، فهي تفترض أن العلاقة بين النسق السياسي ومن يُفترض أنهم معنيون به ليست من البداهة بحيث تستغني عن الوساطة، أو من الرسوخ بحيث تعمل بذاتها، دون محددات تمنحها مسوغات الاستمرار ومبررات الشرعية.
ولماذا يُنظر إلى العزوف باعتباره القضية، بينما قد لا يكون سوى الأثر؟ ولماذا يُسأل الشباب عن سبب ابتعادهم، فيما يظل النسق السياسي بمنأى عن السؤال المتعلق بقدرته على إنتاج الرغبة في الاقتراب؟ فالعلاقة التي تحتاج باستمرار إلى أن تُستعاد عبر الحث ليست علاقة مستقرة، بل علاقة ما تزال تبحث عن شروط تحققها وتجددها.
وهل تقدم الدعوة إلى المشاركة باعتبارها اقتراحا أم باعتبارها ضرورة؟ وإذا كانت ضرورة، فهل تحتاج الضرورة إلى الإقناع المتكرر؟ فالناس لا يُعبؤون نحو ما يدركون تلقائيا أنه مجال تأثيرهم الفعلي، ولا يُستدرجون باستمرار إلى ما يشعرون أنه امتداد طبيعي لإرادتهم. وحدها المسافة هي التي تحتاج إلى خطاب، ووحده الشرخ يحتاج إلى كل هذا الجهد المادي والرمزي حتى يُعاد تقديمه في هيئة اتصال.
فهل تقارب حملات التعبئة المشكلة فعلا، أم تدور حولها دون أن تنفذ إلى جوهرها؟ إنها تفترض أن الحل يكمن في استدعاء مزيد من المشاركين، بينما يظل السؤال معلقا حول طبيعة المشاركة ذاتها. فما الذي يُطلب من الشباب أن ينخرطوا فيه تحديدا؟ هل يتعلق الأمر بمجال مفتوح على الفعل والتأثير وإعادة تشكيل الخيارات؟ أم يتعلق الأمر بمجرد الالتحاق بنسق يحتاج إلى كثافة بشرية كي يستمر في إنتاج ما يصبو إليه؟
وهل للمشاركة قيمة في ذاتها؟ فليست كل مشاركة فعلا سياسيا، كما أن الحضور داخل النسق لا يعني بالضرورة الحضور داخل القرار أو حتى على مقربة فعلية منه. وقد يحدث أن يتحول الإلحاح على المشاركة إلى حجب للسؤال الأكثر إزعاجا، سؤال الأثر. فحين يغدو الانخراط غاية قائمة بذاتها، يتوارى النقاش حول ما إذا كان هذا الانخراط قادرا فعلا على تحويل الإرادة إلى مدخلات، أم أنه يكتفي بتحويلها إلى رقم، يخفف حرج الإحصاء.
ثم إن تكرار الدعوة، هل يكشف فقط رغبة في توسيع قاعدة المشاركة؟ أم يكشف، في الآن نفسه، عن قلق أعمق يرتبط بسيرورة النسق وحاجته الدائمة إلى تجديد الاعتراف به ووضعه في منأى عن المساءلة؟
إن المفارقة التي تحيط بموسم الاستمالة. أن كل دعوة إلى المشاركة تُقدم بوصفها دليلا على دينامية الحياة السياسية، بينما يمكن قراءتها، بالقدر نفسه، بوصفها دليلا على النقيض، الانخراط ليس نتيجة طبيعية للانتماء، وأن النسق بات مطالبا بإنتاج الشروط النفسية والرمزية التي تضمن امتداده الزمني بالكيفية ذاتها التي تضمن إعادة إنتاجه.
فما يُستدعى، في نهاية المطاف، ليس الشباب، إنما الإيمان، الإيمان بأن السياسة ما تزال قادرة على أداء وظيفتها المزدوجة، من جهة، توفير أفق للشرعية بالنسبة إلى من يدبرون الشأن العام، ومن جهة أخرى، تمكين الأفراد من الإحساس بأن الخيارات التي تحكم مصائرهم الذاتية ليست بعيدة عن إمكان الكسب. لذلك يبقى الأفق مفتوحا على سؤال الجدوى، بمعناه الأصولي، ذلك السؤال الذي كثيرا ما يتخذ بناء على محددات الواقع لبوسا طوباويــــا.
زهير حميدوش، محام وباحث في العلـوم السياسيـة



