مونديال 2026.. المغرب في قلب صناعة الأمن الرياضي
تدخل الاستعدادات الأمنية لكأس العالم 2026 مرحلة متقدمة، في ظل تعبئة واسعة من الولايات المتحدة وكندا والمكسيك لتأمين أكبر نسخة في تاريخ البطولة. وضمن هذه الترتيبات، يبرز المغرب باعتباره شريكا أمنيا واستخباراتيا موثوقا، بعدما أعلنت الولايات المتحدة، رسميا، الاستفادة من التجربة المغربية في تأمين التظاهرات الرياضية الكبرى، وفي سياق مشاركة المملكة داخل مركز التعاون الشرطي الدولي المرتبط بالمونديال.
هذا الحضور يعكس موقعا راكمته المؤسسات الأمنية المغربية عبر سنوات من العمل الميداني والتعاون الدولي. فقد تحولت التجربة المغربية في تأمين الأحداث الكبرى إلى نموذج يحظى بالاهتمام، بفضل الجمع بين الاستباق الاستخباراتي، والتنسيق الأمني، وتدبير الحشود، واستعمال التكنولوجيا، والقدرة على قراءة المخاطر قبل انتقالها إلى مستوى التهديد المباشر.
وتأتي أهمية هذه الخبرة في سياق بطولة غير مسبوقة من حيث الحجم والتعقيد. فكأس العالم 2026 ستقام في ثلاث دول، وستعرف مشاركة 48 منتخبا، مع تدفقات جماهيرية ضخمة، وتنقلات مستمرة بين المدن والمطارات والملاعب ومناطق المشجعين. هذا الوضع يفرض تنسيقا أمنيا دقيقا يتجاوز حدود الدولة الواحدة، ويجعل تبادل المعطيات بين الأجهزة الأمنية والاستخباراتية جزءا أساسيا من نجاح التنظيم.
في هذا الإطار، يحضر المغرب داخل مركز التعاون الشرطي الدولي الخاص بالمونديال، وهو فضاء عملياتي يتيح تنسيق المعلومات بين الأجهزة المعنية بتأمين البطولة، وتتبع المخاطر المحتملة، والتعامل مع القضايا المرتبطة بالجماهير، والجريمة العابرة للحدود، والتهديدات التي يمكن أن ترافق حدثا رياضيا بهذا الحجم. وتمنح هذه المشاركة للمغرب موقعا عمليا داخل هندسة التأمين الدولي للبطولة، استنادا إلى تجربة ميدانية سبق أن أثبتت فعاليتها في محطات متعددة.
زيارة وفد من مكتب التحقيقات الفيدرالي إلى المغرب للاطلاع على بروتوكولات المديرية العامة للأمن الوطني في تأمين كأس إفريقيا 2025 شكلت مؤشرا عمليا على هذا التحول. فقد اطلع الوفد الأمريكي على جوانب من التدبير الأمني المغربي، بما في ذلك الانتشار الميداني، ومراقبة المنشآت الرياضية، واستعمال الطائرات المسيرة والكاميرات عالية الدقة، وربط مراكز القيادة الثابتة والمتحركة عبر آليات تنسيق رقمي. هذه التفاصيل تعكس انتقال التعاون من مستوى تبادل المعلومات إلى مستوى دراسة النماذج العملية القابلة للاستفادة في سياقات دولية كبرى.
وتكمن قوة النموذج المغربي في أنه لا يفصل بين الأمن الرياضي وباقي مستويات الأمن الوطني. فتأمين مباراة أو بطولة لم يعد مرتبطا فقط بمحيط الملعب وتنظيم الولوج والخروج، بل أصبح متصلا بالأمن السيبراني، ورصد التحريض الرقمي، ومراقبة محاولات استعمال الطائرات المسيرة، وتتبع شبكات الجريمة المنظمة، وتحيين المعطيات حول الأشخاص والكيانات التي قد تشكل خطرا على سلامة الحدث.
هذه المقاربة هي التي تمنح التجربة المغربية قيمتها لدى الشركاء الدوليين. فالمملكة طورت خلال السنوات الماضية قدرة واضحة على الربط بين الأمن الميداني والعمل الاستعلاماتي، وبين التدخل الظاهر والتقدير المسبق للمخاطر. وداخل تظاهرة عالمية بحجم المونديال، تصبح هذه القدرة عنصرا حاسما، لأن نجاح التأمين يقاس أساسا بما يتم منعه قبل أن يحدث، وبما يتم تدبيره دون أن يتحول إلى أزمة.
ويأتي الاهتمام الأمريكي بالتجربة المغربية في امتداد لتعاون أمني واستخباراتي طويل بين الرباط وواشنطن. فقد أثبت هذا التعاون نجاعته في ملفات مكافحة الإرهاب، وتتبع الشبكات المتطرفة، ورصد مسارات التهريب والجريمة العابرة للحدود. ومع مونديال 2026، ينتقل جزء من هذا الرصيد إلى مجال الأمن الرياضي، حيث تتداخل حماية الملاعب مع حماية الفضاء الرقمي، وتدبير الحشود مع مكافحة التهديدات غير التقليدية.
وتكتسب هذه الدينامية بعدا إضافيا بالنسبة إلى كندا، التي ستكون بدورها معنية بتأمين جزء من مباريات كأس العالم. فقد نبهت قراءات دولية متخصصة إلى أهمية استفادة السلطات الأمنية والاستخباراتية الكندية من التجربة المغربية في هذا المجال، بالنظر إلى ما راكمته المملكة من خبرة في التعامل مع الإرهاب، والتطرف الرقمي، والجريمة المنظمة، وتأمين التظاهرات الكبرى ضمن مقاربة مندمجة.
ولا يمكن فصل هذا الاهتمام عن التحولات الأمنية في المحيط الإفريقي والأطلسي. فالمغرب يوجد في منطقة حساسة تربط إفريقيا بأوروبا، ويتابع عن قرب التهديدات القادمة من الساحل، حيث تتداخل الجماعات المتطرفة مع شبكات التهريب وحروب المعلومات. هذه التجربة تمنح الرباط قدرة خاصة على فهم طبيعة المخاطر العابرة للحدود، وهي قدرة تحتاجها الدول المنظمة عندما يتعلق الأمر بحدث يستقطب جماهير ومسؤولين ووفودا من مختلف مناطق العالم.
ويمثل مونديال 2026 أيضا محطة مهمة في مسار استعداد المغرب لتنظيم كأس العالم 2030 إلى جانب إسبانيا والبرتغال. فالمشاركة في التعاون الأمني المرتبط بالنسخة المقبلة تمنح المؤسسات المغربية فرصة إضافية لتبادل الخبرات، واختبار بروتوكولات العمل المشتركة، ومراكمة دروس عملية من تنظيم موزع على ثلاث دول. وهذا المعطى يعزز جاهزية المملكة لموعد 2030، خاصة في جانب التأمين والتنسيق الدولي وتدبير الحشود.
لقد أصبح الأمن الرياضي مجالا حقيقيا لقياس كفاءة الدول. فتنظيم بطولة كبرى لا ينجح فقط بجودة الملاعب والبنيات التحتية، بل أيضا بقدرة الدولة على إنتاج الثقة، وحماية الجماهير، وتنسيق المعلومات، وتدبير المخاطر بصمت وفعالية. وفي هذا المجال، يقدم المغرب تجربة عملية جعلته حاضرا في الاستعدادات الدولية لمونديال 2026 من موقع الشريك الأمني القادر على تقديم قيمة مضافة.
لذلك يحمل حضور المغرب في تأمين كأس العالم 2026 دلالة تتجاوز الحدث الرياضي. فهو يعكس تطور الشراكة الأمنية المغربية الأمريكية، ويبرز مكانة المملكة داخل شبكات التعاون الدولي الخاصة بالتظاهرات الكبرى، ويفتح المجال أمام مرحلة أكثر تقدما من التنسيق مع واشنطن وأوتاوا، في زمن أصبحت فيه حماية الأحداث العالمية جزءا من معادلة الأمن الدولي.
باحث مغربي مهتم بالشؤون السياسية والأمنية



