مِنَ التّماسُك.. إلى السّلمِ الاجتِماعِي!

▪ مِن هُنا نَنطلِق!
التّماسُكُ الاجتِماعِي هو الأوّل.. وبدُونِه، لا سلامَ ولا كَلام.. وإذا حَصَلَ التّماسُكُ المَطلُوب، فهذا يعنِي أنّ الناسَ تسمعُ ما تقُولُه الحُكومة.. ويعنِي أنّ التّماسُكَ يُشكّلُ بوّابةٌ إلى فضاءاتِ السّلمِ الاجتماعي، فإلى الاستِقرارِ السياسي والتّنمَوي.. كما يعنِي أنّ المُواطنَ مُرتاحٌ لحُكومتِه، إذا كانَت لا تُعقّدُ حياتَه..
وبدُون تماسُكٍ اجتِماعي، لا قَبُول، ولا تَواصُل، ولا راحةَ بال.. ولا سِلمٌ اجتِماعي: احتِجاجات.. ومُظاهرات.. ومُقاطَعات.. والناسُ في صُراخٍ دائِم..
والحُكومةُ غاضِبة.. ولا تَنام..
ويبقَى السّلمُ الاجتِماعي حُلمًا للجمِيع..

▪ علاقةٌ هي في العُمقِ ثَروَة..
وعلى الطريق، تقُودُ - وبأمان - إلى السّلمِ الاجتماعي الدائم.. هي ذي "ثروَةُ التّعدّد" الهادِفة إلى استِقرارِنا المنشُود..
استقرارٌ سياسي واقتِصادي على أساسِ "السّلمِ الاجتِماعِي".. يُسمّونهُ أيضا: "التّماسُكُ الاجتِماعي"..
وهذا لا يقُومُ إلاّ على التّنوّع الفكري.. وعلى "حقّ الاختِلاف"..
ونحنُ مِثلَ غيرِنا، يَستَحِيلُ أن نكُونَ نُسخةً من بَعضِنا..
والقاعِدةُ تُشيرُ بالاختِلاف.. يجِبُ أن نختَلفَ، لكي نُبصِرَ باختلافاتِنا أنّنا كائِنُون على الطريقِ الصّحِيح، وأنّنا نأخُذُ في الاعتِبارِ تنَوّعَ وجهاتِ النّظر..
وأيةُ حُكومةٍ ترفضُ اختلافاتِ الرأي، هي حُكومةٌ غيرُ طبيعيّة..
ولا خيارَ لنا إلاّ أن نَختَلف..
نَختلفُ لكي نتّفق، ونَأخُذَ مَسارَنا السّلمِي الاجتِماعِي المطلُوب..

▪ ولا يَكفِي أن يكُونَ لنا بلدٌ مُتنَوّر..
وأنّنا فيه كُرماءُ طيّبون..
هذه رؤيةٌ جميلة.. وأخلاقياتٌ إيجابيّة.. وضروريّةٌ في تعامُلاتِنا الاجتِماعية، مع بعضِنا، ومع ضُيوفِنا والعالَم..
لكنّ هذا لا يَكفِي..
كلّ هذا غيرُ كافٍ..
نحنُ بحاجةٍ إلى بناءِ سِلمِنا الاجتماعي، لا المُوقّت، بل الدائم.. وله مُقوّماتٌ لا مَجالَ للتّخلّي عَنها، مِنها صيانةُ ما نحنُ فيه مِن تنوّعٍ بَشرِي، نتيجةَ كَونِ بَلدِنا يَقعُ في مِنطَقةٍ جغرافيةٍ أساسيّةٍ للتّواصُلِ العالمي..
أجَل، عندَنا تنوُّعاتٌ مَكانيّةٌ مُوغِلةٌ في التّاريخ، وجغرافيةٌ ذاتُ مَوقعٍ استراتيجيّ عالَمي..
وهذا الرّصيدُ غَنيّ بالتّعدّدية الفِكرية والإتنيّة.. وإذا أحسَنْنَا تَوظيفَه، يكُونُ خيرا لنا جميعًا، وإذا فرّطنا فيه، تكُونُ تَعدّديتُنا وَبالاً على حمُولتِنا التاريخية والجغرافية، ونكُونُ بالتالي عُرضةً لهزّاتٍ اجتِماعيةٍ بلا حُدُود..
وعلينا بتَوظيفِ هذا الرّصيدِ المَكانِي والزّماني من أجلِ التّعايُش، على أساسِ ضبطٍ قانُوني، وسياسي واقتِصادي، للحُقوقِ والواجبات، لكلّ تنوّعاتِنا الاجتِماعية..
حُكومتُنا أوقفَتنا على بُركانِ اختِلالاَت..
وسيكُونُ غباءًا أن تُفرّطَ نُخبتُنا السّياسيةُ في ثَروتِنا التّعدُّديّة..

▪ والحالُ أنّ هذه التّعدّدية ليسَت مَصدرَ فَقر، بل هي مَصدَرُ ثروةٍ وقُوّةٍ واعتِزاز!
ونستطيعُ أن نكُون أقوَى بالتّعدّدِ الاجتِماعي، سياسيّا ودينيّا واقتِصاديّا..
وفي هذا التّعدّدِ بالذّات، مَنابِعُ اجتِماعيّةٌ أخرى وكثيرة، قادرةٌ على أن تَجعلَ من بلدِنا قُطبًا من الأقطاب..
إنّها ثروةُ التّعدّد، نحنُ نملِكُها، ولكنّنا لحدّ الآنَ نُفرّطُ فيها، لأنّ حُكومتَنا وأحزابَنا لا تُدرِكُ قيمةَ أن نَختَلِف..
ولا يكُونُ التّعدّدُ مُجدِيّا بدُونِ اختِلافٍ هو يُسَلّمُنا - على طَبَق من ذهَب - قُدرتَنا على رؤيةِ ثَرَواتِنا المادّية واللاّماديّة، من كلّ زَوَايَاها المُنتِجة، المَحلّيّةً والعالمية..

▪ مُجتَمعُنا يَحتَضنُ تعدُّديةً بَشريّة قادرةً على بناءِ سَلامٍ اجتِماعي مُتَنوّع..
ويَنقُصُنا حُسنُ تدبيرِ هذه التّعدّدية، لكي تكُونَ نموذجًا للسّلام بينَ أعراقٍ ومَشاربَ مُتجانِسة..
وعندنا خللٌ في ضبطِ تناسُقٍ كافٍ بين التّنوّعات الدينيّة والسياسية والثقافية..
إنّنا بحاجة إلى تدبيرٍ سليم، لصيانةِ حقوقِ الأقلّيات والتنوّعاتِ الاجتماعية، بدُون أيّ تميِيزٍ بين فئةٍ وأخرى..
تنقُصنا مِساحةٌ كافيةٌ تسمحُ لها بالتّعبيرِ عن أفكارِها وطموحاتِها وما به تَعتَقد، على أساس نظامٍ قانوني يُحافظُ على سلامة الحقوقِ والواجبات..

▪ التّعدّديةُ في بلادنا تعانِي هَشاشةً في انسجامِها، واحتِرامِها المُتبادَل، وفي ما نحنُ فيه من تَعصّبٍ فكري، وتطرّفٍ ديني ومَذهَبي وسياسي واقتِصادي وقبَلي، في غيابٍ عِلمانيّةٍ علَنيّةٍ أوضَح، قادرةٍ على الفصلِ الحاسِم، دُستُوريًّا وقانونيّا وسُلوكيّا، بين أيةِ اختِلافاتٍ مَذهبيةٍ وطبَقيّة وثقافية وتدبِيريةٍ للشأنِ العمومي وغيرِها…

▪ الفصلُ بين الدينِ والدولة!
الفصلُ التام بين شؤون الدين، وشؤون الدّنيا، اعتبارا لكَونِ العِلمانية ليست دينًا، بل هي نظامٌ قانوني حداثي يفصلُ بين الحقوقِ والواجبات..
والعِلمانيةُ هي النظامُ السياسي التّدبيرِي الذي سيَحكُم العالَمَ أجمع..
وفي غيابِ العِلمانية، تَبقَى قطاعاتُنا الحيّة في البلاد، مُرشّحةً لمزيدٍ منَ التّوتّر.. وتكونُ لمدةٍ غير محدُودةٍ مَسرَحًا لاختلافاتٍ قابلةٍ لأن تحتدّ فيها الخلافات، وتُوتّرَ فيها العلاقات، نتيجةَ اللاّتسَاوِي في الحقوقِ والواجبات..
وإلى هذا، يستمرّ التعامُلُ الباهِتٌ مِنَ الجهاتِ الإداريةِ المُختَصّة التي ما زالت تُمارسُ سياسةَ التّفرقة بين الناس في انتماءاتِها العِرقيةٍ والقبليّة والجنسية والدينية والسياسية والاقتصادية..
وهذا العجزُ عن الحسمِ الإداري يُحوّلُ الحساسياتِ إلى انتصارِ الفساد الإداري على الحقوق، وبالتالي يُشكلُ تهديدًا للسّلم الاجتماعي الدائم..
ولو كان عندنا تجانُسٌ في العلاقاتِ الحقوقية بين مُختلفِ التّنوعات الاجتماعية، لتَجَنّبْنا اضطراباتٍ أخرى..
ولكن الفساد يُشكل عرقلةً للحَكامة والديمقراطية، وللمُحاسَبة، وللحربِ على مَظاهرِ الفَساد، وخاصّةً منها الفسادُ الإداري..

▪ الفسادُ مُشكلٌ كبير..
بُؤرةٌ لاختِلالاتٍ لا تسمحُ بقيامِ مُؤسّساتٍ مسؤولة، وآلياتٌ أخرى أساسية: المُجتمعُ المدني ووسائلُ التعبير، والصحافة وغيرُها… هذه يتوجّبُ عليها الحسمُ في الحُقوقِ والواجبات، والتّوعية الاجتِماعية، وقيامُ الإداراتِ المَعنية بالخَدماتِ الصّحية والتّعليميةِ والتّشغيلية، وبفرضِ استمراريةِ الأخلاقِ العامةِ والخاصة في سلوكاتِنا الاجتِماعية..
وهذه العناصرُ وغيرُها، في غيابِها، عرقلةٌ إضافيّة لسِلمٍ اجتماعي دائم..
ونحنُ جاثِمون على بَراكينَ اجتماعيةٍ قابلةٍ للانفِجارِ تحتَ أقدامِ طمُوحِنا إلى سِلمٍ اجتِماعيّ دائِم..

▪ السّلمُ الاجتماعي يمُرّ عبرَ التّماسُكِ بين أفراد المُجتمع: روابطُ تُقرّب بين الناس، وتَجمَعُهم حول أهدافٍ مُتوسّطةٍ وبعيدة.. وتُسَاهِمُ الدولةُ في تقريبِهم، وتبسِيطِ حياتِهم، وعَدمِ تعقيدِ الحياةِ العامّة.. حُقوقٌ مضمُونة.. إداراتٌ تقدّمُ الخَدَمات.. تعليمٌ في المُستوَى المطلُوب.. صِحةٌ مَجّانيةٌ وفعّالةٌ للجَمِيع.. الشّغلُ موجُود.. تكوِيناتٌ وتأطِيراتٌ في مُختلفِ المِهَن.. تُضافُ لها العدالةُ الاجتِماعيّة..
هذا هو التّماسُكُ الذي يُقَوّي الانتِماءَ والهُويّة، ويُنتِجُ التّقاربَ والسّعادة، ويَجعلُ الناسَ تُضحّي من أجلِ المَصلَحةِ العامّة..
تماسُكٌ اجتِماعِي يُمكِنُ تَطويرُه إلى تَماسُكٍ تنمَوِيّ مُفيدٍ لكُلّ الوَطنِ والمُواطِن!

[email protected]

الخميس 21:00
غيوم متفرقة
C
°
18.43
الجمعة
20.9
mostlycloudy
السبت
19.66
mostlycloudy
الأحد
19.77
mostlycloudy
الأثنين
20.03
mostlycloudy
الثلاثاء
19.57
mostlycloudy